لا تزال مفاعيل وتبعات الاجتماع الثاني بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الأميركية واشنطن محل اهتمام الجميع، بخاصة أنها حملت دلالات غير مسبوقة، بالشكل والمضمون، وسط تساؤلات جدية عما بعدها.

إذ لم يكن الحدث الأبرز في الجلسة التمهيدية الثانية للمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية مجرد تمديد وقف إطلاق النار ثلاثة أسابيع إضافية، بل كان القرار المفاجئ بإعلان نقل مكان انعقادها في الساعات القليلة الأخيرة من وزارة الخارجية إلى البيت الأبيض، ليجلس الرئيس دونالد ترمب على رأس الطاولة محاطاً بوزير خارجيته مارك روبيو ونائبه جي دي فانس والسفراء الثلاثة في بيروت وتل أبيب وواشنطن.

ولم يكن نقل مكان الاجتماع من وزارة الخارجية إلى البيت الأبيض ومشاركة ترمب فيه، مجرد خطوة رمزية والتفاتة خاصة تجاه لبنان، إنما هي خطوة بحسب خبراء الشؤون الأميركية تنطوي على رسالة سياسية واضحة مفادها بأن إدارة ترمب لم تعد تتعامل مع الملف اللبناني بوصفه شأناً دبلوماسياً هامشياً، بل باتت تنظر إليه بوصفه رهاناً استراتيجياً في مواجهة أوسع مع طهران.

ورأى كثيرون أن ترمب أراد بحضوره الشخصي أن يضع الدولة اللبنانية في موقع لم يعد فيه التراجع ممكناً ولا التباطؤ أو كسب الوقت، وأكثر هناك من يعتقد أن الرئيس الأميركي يريد أن “يستثمر” في لبنان بعد تعثر خطته في إيران ورغبته في ممارسة مزيد من الضغوط عليها، بما في ذلك فصل بيروت عنها وحرمانها من استخدام الورقة اللبنانية في مفاوضات إسلام آباد، التي لم تنجح حتى الساعة في حسم مسألة الحرب مع طهران.

ترمب يسلط الضوء على لبنان

تراهن واشنطن على أن وقف إطلاق النار ليس غاية، بل اختباراً. فإن أثبتت بيروت قدرتها على ترسيخ سلطة الدولة وتعزيز دور جيشها خلال هذه المهلة، الممتدة على ثلاثة أسابيع، أمكن بعدها للمسار التفاوضي أن يتحول إلى ارتياح دبلوماسي حقيقي. أما إن أخفقت، فتشير التقديرات إلى أن المشهد لن يعود إلى ما كان عليه، بل سيعود الكلام للميدان بصيغة أشد قسوة، في ظل لامبالاة أميركية متوقعة، على اعتبار أن الدولة اللبنانية ستكون حينها قد أهدرت الفرصة بيدها، وخسرت الاهتمام الأميركي المباشر، وبخاصة من الرئيس ترمب.

AFP__20260423__A8TL6DN__v1__MidRes__UsLebanonIsraelTrumpDiplomacy.jpg

حضور ترمب الاجتماع الثاني بين لبنان وإسرائيل يحمل دلالات كثيرة (ا ف ب)

وتلخص الكاتبة السياسية رنا أبتر من واشنطن المشهد بقولها إن ترمب أراد استغلال هذا الاجتماع لتمرير رسائل جوهرية بلهجة إيجابية تعكس جديته في التعاطي مع الملف اللبناني، مشيرة إلى أن توصيفه للحظة بـ”التاريخية” يعكس إرادة حقيقية في تسليط الضوء على لبنان، ولو في المدى القصير.

تؤكد أن المفاوضات المباشرة بين تل أبيب وبيروت، مكان انعقادها وتفاصيلها الدقيقة، لم تحدد بعد بانتظار انتهاء تشكيل الفريق التفاوضي من الجانبين وتعترف بأن المسار التفاوضي لن يكون سهلاً، وأنه يحوي كثيراً من التعقيدات كما هو في حاجة إلى تحديد إطار معين للجلوس إلى طاولة المفاوضات والبحث بهذه المسألة، وتضيف أنه لم يكن بالإمكان الانتقال إلى مرحلة الاتفاق على المسار التفاوضي المباشر من دون إعلان وقف إطلاق النار، والذي تبقى استمراريته مرهونة بالتزام إسرائيل من جهة، و”حزب الله” من جهة أخرى.

المفاوضات على نار حامية ولا موعد

دخل لبنان الاجتماع التمهيدي الثاني مطالباً بأطول تمديد ممكن لوقف إطلاق النار واعترضت السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض على خرق إسرائيل للهدنة وعلى التفجيرات التي تنفذها داخل القرى اللبنانية واستهداف مراكز دينية وصحافيين، في حين لم يكن الجانب الإسرائيلي يريد تجاوز الهدنة الجديدة فترة 10 أيام، فيما كان من المتوقع أن ينتهي الاجتماع بالاتفاق على موعد محدد لبدء المفاوضات ومكانها، لكنه عكس التوقعات انتهى الأمر بتمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، أطول مما أرادته إسرائيل وأقل مما طالب به لبنان مقابل احتفاظ تل أبيب في حقها في الرد العسكري متى رأت في ذلك ضرورة للدفاع عن نفسها، وفق ما أعلن الرئيس الأميركي.

وكشفت مصادر دبلوماسية بعض ما دار في الاجتماع التحضيري الثاني، وهو أن الوفد اللبناني تمكن من تحقيق مطلب التمديد لوقف إطلاق النار لأكثر من أسبوع إضافي، وأن الرئيس الأميركي طلب بصورة مباشرة من الوفد الإسرائيلي احترام هذا القرار والتوقف عن تدمير القرى واستهداف المدنيين، غير أن المفاوضات الرسمية لم تحدد بعد لا في موعدها ولا في مكانها، في انتظار ما ستقترحه وزارة الخارجية الأميركية خلال الأسابيع القليلة المقبلة، علماً أن الوفد الإسرائيلي كان اقترح في الاجتماع التمهيدي الأول أن تسير المفاوضات بمسارين متوازيين واحد للسلام والثاني للملفات الأمنية، وأن يشكل وفدان منفصلان، واحد سياسي وآخر تقني مع رفع مستوى التمثيل ليكون بلجان حكومية أو على مستوى وزراء الخارجية.

أما على الأرض، فتشير مصادر دبلوماسية في واشنطن إلى أن وقف إطلاق النار سيترجم عملياً باستمرار تحييد بيروت وبنيتها التحتية عن أي ضربات، مع إبقاء العمليات الإسرائيلية في المناطق الواقعة جنوب الخط الأصفر، واحتفاظ تل أبيب بحق استهداف ما تصنفه مواقع خطرة وتنفيذ عمليات اغتيال ضد “حزب الله”. في المقابل نقل عن الحزب قوله إنه سيرد على كل العمليات والضربات الإسرائيلية بالتوازي مع موقفه المعلن برفض المفاوضات المباشرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حماية لبنان من “حزب الله”

لعل أكثر ما أثار الانتباه في تصريح ترمب الختامي قوله الصريح إن الولايات المتحدة ستعمل مع لبنان من أجل مساعدته على حماية نفسه من “حزب الله”، وهو توصيف يكاد يكون اعترافاً رسمياً بأن الدولة اللبنانية تحتاج إلى دعم خارجي لتطبيق قراراتها السيادية في ملف السلاح. وكان وعد في الاجتماع وفق المصادر الدبلوماسية بتقديم حزمة مساعدات كبيرة دعماً للجيش اللبناني.

ولا يبدو تصريح ترمب عن حماية لبنان منفصلاً عما كشفته المصادر الدبلوماسية عن مقترح أميركي قدمه وزير الخارجية ماركو روبيو في الاجتماع التمهيدي الأول الذي عقد في وزارة الخارجية والذي يقضي بتشكيل وحدة عسكرية خاصة من الجيش اللبناني تتلقى تدريباً أميركياً مباشراً وتعهد إليها مهمة ضبط السلاح. وقد ظهرت جدية هذا الاقتراح من خلال تعيين الرئيس الأميركي قائد القيادة الوسطى دان كاين في عداد الوفد بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على “تحقيق سلام مستدام”. وتكليف كاين اعتبر دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية ستكون منخرطة بصورة مختلفة هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وفي السياق تقول رنا أبتر من واشنطن إن القيادة الوسطى ستضطلع بدور مختلف في المرحلة المقبلة ولن يقتصر دورها على المراقبة، بل سيكون لها دور فعال أكثر لدعم الجيش، مشددة على أن ترمب في وعده بمساعدة الجيش، يعني أنه سيستخدم من موازنة سبق وأقرها الكونغرس، لأن أية مساعدات مستقبلية في إطار الموازنات الجديدة ستكون موضع نقاش كبير وسط اعتراض بدأ يبرز إلى العلن من قبل عدد من النواب البارزين في الحزب الجمهوري الذين يطالبون بتشديد الشروط وربط تمويل الجيش اللبناني بخطوات فعلية وعملية لنزع سلاح “حزب الله”.

الصورة أخذت… لكن ماذا بعدها؟

يذهب الكاتب السياسي قاسم قصير، المقرب من “حزب الله”، في قراءته للتطورات الأخيرة، إلى القول إن الهدف الأميركي الأول من هذا الاجتماع لم يكن التوصل إلى اتفاق، بل كان كسر ما بات يعرف بـ”حاجز التفاوض المباشر” بين لبنان وإسرائيل، أي انتزاع الصورة التي تثبت أن الطرفين جلسا معاً، وهو في حد ذاته إنجاز سياسي بالغ الدلالة في المنطق الأميركي. ولا يخفي قصير أن “ترمب كان في حاجة ماسة إلى هذا الإنجاز، في ظل تعثر مساعيه على الجبهة الإيرانية وغياب أي اختراق حقيقي على الجبهة الجنوبية. والأمر ذاته ينطبق على نتنياهو المحاصر بضغوط داخلية متصاعدة وتساؤلات عما حققه في لبنان”، على حد وصفه. 

غير أن قصير يُبدي تشككاً واضحاً في قدرة واشنطن على تحقيق المطالب اللبنانية الجوهرية، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، ووقف الضربات الإسرائيلية، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين، وكبح التحركات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، وذلك في الوقت ذاته الذي تسعى فيه واشنطن إلى إنهاء سلاح الحزب. ويرى أن الجمع بين هذين المطلبين المتعارضين يبقى أمراً بعيد المنال. وبصيغة التشكيك يسأل قصير “هل يستطيع رئيس الجمهورية أن يتوجه إلى البيت الأبيض ويجلس مع نتنياهو من دون أن يكون في جعبته ما يقدمه للبنانيين؟ لا سيما أن معارضة هذا المسار التفاوضي المباشر باتت تتشكل وتتصاعد، ليس على المستوى الإقليمي وحده، بل على المستوى العربي أيضاً؟”.

وخلاصة قصير أن الصورة أخذت، لكن مفعولها ومآلاتها رهن بالأسابيع الثلاثة المقبلة التي وصفها بالحاسمة، والتي ستجيب عن السؤال الأكبر: هل كان هذا الاجتماع بداية مسار أم مجرد لقطة لكاميرات العالم؟​​