أوري تميمة مسابقة يوروفيجن لعام 2026، فيينا 19 مارس 2026 (جورج هوخموت /فرانس برس)

تواجه مسابقة يوروفيجن للأغنية (Eurovision Song Contest)، التي لطالما قدّمت نفسها منصةً للاحتفاء بالتنوع والاختلاف، واحدةً من أكثر أزماتها تعقيداً مع اقتراب دورتها السبعين، في ظل تصاعد الدعوات إلى المقاطعة وتزايد الانسحابات احتجاجاً على مشاركة إسرائيل. وبينما يتراجع عدد الدول المشاركة إلى أدنى مستوياته منذ سنوات، يعود الجدل حول حدود “الحياد الفني” في واحدة من أكبر الفعاليات الغنائية في العالم.

وأفاد منظمو المسابقة بأنّ 35 دولة فقط ستشارك في نسخة مايو/ أيار المقبلة التي تقام في فيينا، وهو أدنى عدد مشاركات منذ توسيع باب الانضمام عام 2004، في مؤشر واضح على عمق الأزمة.

ورغم أن مشاركة إسرائيل تمثّل تحدياً هذا العام، على خلفية حرب الإبادة التي تشنّها على الفلسطينيين في غزة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023. يرى خبراء أن الحدث الغنائي الأكبر عالمياً كان دائماً متشابكاً مع السياسة.

فقد انسحبت المجر عام 2020، في خطوة ربطها كثيرون بتوجّهها السياسي المحافظ، فيما جرى تعليق مشاركة بيلاروسيا عام 2021 بسبب قمع حرية الإعلام، واستُبعدت روسيا عقب غزوها أوكرانيا عام 2022. كما انسحبت دول أخرى، بينها مقدونيا الشمالية، لأسباب مالية.

وتُشير كريستينا أوبرغ، مؤلفة العديد من الدراسات حول تحوّل المسابقة إلى ساحة للتوترات الجيوسياسية، إلى أن معاقبة روسيا خلقت سابقة وأثارت نقاشاً واسعاً حول معايير المشاركة، في ظل تساؤلات عن سبب عدم اتخاذ إجراء مماثل بحق إسرائيل، رغم تسببها بخسائر الفادحة في صفوف المدنيين جراء القصف الإسرائيلي المستمر على غزة.

وقاطعت خمس هيئات بث، بينها إسبانيا، نسخة عام 2026 بسبب مشاركة دولة الاحتلال، في خطوة غير مسبوقة من إحدى “الدول الخمس الكبار” (Big Five)، وهي الدول الأكثر مساهمة مالياً والتي تتأهل مباشرة إلى النهائي. كما قررت آيسلندا وإيرلندا وهولندا وسلوفينيا عدم المشاركة للأسباب نفسها، معتبرةً أن الحياد السياسي للمسابقة لم يعد مضموناً.

وأعلنت سلوفينيا أنها ستستبدل بثّ مسابقة “يوروفيجن” ببرامج عن فلسطين. وذكر مكتب الإعلام في هيئة الإذاعة والتلفزيون السلوفينية، في بيان، الخميس، أنّ الهيئة ستعرض خلال الفترة بين 10 و20 مايو/ أيار المقبل بثاً بعنوان “أصوات فلسطينية”. وأوضح البيان أن القناة الرسمية ستعرض أفلاماً وبرامج وثائقية وتحليلية تتناول القضية الفلسطينية، مؤكداً أهمية نقل معاناة الشعب الفلسطيني إلى الشاشة.

ووقّع أكثر من ألف موسيقي حول العالم عريضةً تحت شعار “لا موسيقى للإبادة”، مطالبين باستبعاد هيئة البث الإسرائيلية “كان” (KAN)، ومتهمين إياها بالتواطؤ. ومن بين الموقعين فنانون عالميون مثل ماسيف أتاك وبيتر غابرييل وروجر ووترز وسيغور روس.

في المقابل، دافع اتحاد البث الأوروبي (EBU)، الجهة المنظمة، عن “كان” (KAN)، معتبراً أنها تستوفي معايير الاستقلالية، كما أعلنت إدخال تعديلات على نظام التصويت بعد اتهامات بالتلاعب لمصلحة المرشحة الإسرائيلية العام الماضي عندما تصدّرت إسرائيل تصويت الجمهور بفارق كبير، وسط تدفّق غير مسبوق للنقاط الكاملة من دول عدّة. وعلقت فرقة نيكاب حينها: “حُظرت روسيا من يوروفيجن في 2022، بينما تُستقبل إسرائيل على المسرح للعام الثالث. هذا ليس حياداً، بل اختيار”.

وترى أوبرغ أن استمرار انسحاب الدول قد يؤدي إلى “موت بطيء” للمسابقة، لأن نجاحها يعتمد على مشاركة عدد كبير من الدول.

من جهتها، وصفت النمسا، الدولة المضيفة هذا العام، أي مقاطعة ثقافية بأنها “خطوة غبية وعديمة الجدوى”، رغم أنها نفسها قاطعت نسخة 1969 في مدريد احتجاجاً على ديكتاتورية فرانشيسكو فرانكو.

وقد تتصاعد التوترات هذا العام أيضاً مع تسليط الضوء على الدنمارك، في ظل الجدل المرتبط بغرينلاند وتصريحات دونالد ترامب بشأنها، ما وضع كوبنهاغن في دائرة الاهتمام الأوروبي. ويرى خبراء أن هذا الزخم قد ينعكس إيجاباً على المشاركة الدنماركية، مع توقعات بأن يستفيد ممثلها سورين توربيغارد لوند من موجة التعاطف.

ورغم كل ذلك، تحاول “يوروفيجن” الترويج لنفسها منصةً كبرى للتنوع والتسامح، إذ يشارك الفنانون تحت أعلام بلدانهم، ويُبث الحدث مباشرةً إلى ملايين المشاهدين، مدعوماً بزخم وسائل التواصل الاجتماعي. وبعدد مشاهدين بلغ نحو 166 مليوناً في عام 2025، أصبحت المسابقة علامةً تجاريةً ضخمة، ما يدفع المنظمين إلى الدفاع عن صورتها، خصوصاً منذ أواخر التسعينيات مع دخول الرعاة وبيع التذاكر والمنتجات المرتبطة بها.