يقوم السرد في رواية “كتاب البيوت” للإيطالي أندريا بياني (دار بعد البحر، القاهرة، بترجمة عن الإيطالية أنجزتها روحية عبدالعزيز) على تشظ كامل، إذ يغيب الرابط التقليدي للأحداث، ولا يبقى سوى السارد، الخيط الوحيد الناظم لهذا العالم المتشظي. لا يعتمد على حبكة درامية واضحة أو تصاعد للأحداث، التي تتوارى لصالح بناء أقرب إلى لوحات سردية متجاورة.

تتحرك هذه اللوحات خارج أي انتظام زمني، من عام 1975 حتى عام 2021، من دون تسلسل خطي، إذ ينتقل السرد بقفزات زمنية حادة، من 1976 إلى 1998، ثم إلى 2010، وهكذا ذهاباً وإياباً في الزمن. ويصل هذا الانفلات الزمني إلى ذروته في فصل “بيت السلحفاة”، الذي يقفز بالسارد إلى مستقبل متخيل في عام 2048. فالسلحفاة أكثر الشخصيات حيوية في الرواية، حاضرة منذ صرخة السارد الأولى، تعيش في فناء البيت، شاركته طفولته، وحين يكبر يتعرف على سلاحف أخرى، ويجعلها حاضرة في المستقل.

تفلت مكاني

يواكب تفكك الزمن، تفكك مواز في الجغرافيا، إذ لا تستقر الرواية في مكان واحد، تتناثر بين روما وشواطئ المتوسط، وتستمر في التحرك بين البيوت، والمستشفيات والبنوك، والشقق، ومساكن الطلبة الساحات العامة، والبيوت المهجورة… إلخ. يرصد بيوتاً لها سمات مختلفة، معظمها أماكن سكنية، يحرص على رسم هيكلها المعماري عبر وضع خرائط لتخطيطها الهندسي، والتقاط الحركة فيها، سواء كانت للبشر أو الزواحف. وهناك أيضاً بيوت ترى عبر التلفاز، مثل السيارة التي قتل فيها الشاعر، وكذلك كشك الاتصالات الذي تستعمله أم السارد للتواصل مع أقاربها.

ce86fe2d-367b-45e3-951c-6ae5aba10f58.png

الترجمة العربية للرواية (دار بعد البحر) 

ومن البيوت التي يرسمها بصورة بلاغية “بيت الأبدية” الذي يعرفه بأنه مبنى دائري له صورة وطبيعة خاتم الزواج، وهو من أكثر الاكتشافات تقدماً من الناحية التكنولوجية بصفته اكتشافاً معمارياً يختفي في كف اليد أو يمكنه أن يظل في الجيب، “هو محيط دائرة، 7028 سم على وجه الدقة يبلغ قطره 2.37 ملليمتر يزن أربعة غرامات وهو فارغ، وعندما يدخله أنا يزن أربعة غرامات زائد 87 كيلو”. لكن هذا الزواج الذي وصفه بالأبدي لن يدوم، سوف يهجر البيت.

يحرص أندريا بياني في وصفه للبيوت والأماكن التي يتنقل بينها السرد، على تحديد المسافات بدقة، سواء بالكيلومترات أم عبر تعيين مواقعها الجغرافية، إلى جانب قياس مساحات هذه الأمكنة. ففي “بيت سفح الجبل” (1983)، “الموقع هو أحد الأماكن التي يعيش فيها ألف شخص على سفح جبال الألب، يبعد 800 كيلو متر من بيت تحت الأرض، المسافة القصوى للبقاء داخل حدود الدولة”. وفي موضع آخر، يصف “بيت الأقارب” (1985) بأنه يبعد ثلاثة كيلومترات في خط مستقيم من “بيت تحت الأرض”، جاعلاً من هذا الأخير حيث ولد، نقطة مرجعية مركزية لقياس العالم من حوله.

مركز السرد

تحظى المائدة بمكانة سردية مركزية داخل كل بيت من البيوت، يصف شكلها ونوع المادة المصنوعة منها وطبيعة الحركة حولها وموضع كل فرد من أفراد الأسرة عليها، وكأنها القلب النابض في كل شقة، تكشف عن طبيعة الحياة فيها: سعيدة أم كئيبة أم روتينية، متناغمة أم يشوبها الاضطراب والقلق.

ويعتمد في سرده المكاني على نسق وصفي متكرر في تقديم البيوت، يبدأ عادة بتقديم تعريف للمكان أقرب إلى التأمل الفلسفي، كما في حديثه عن “بيت الذكريات المنسية”، الذي يصفه بأنه “لا مكان له، يقع في إحدى ثنايا الزمان – المكان، ومن العسير الجزم بثباته أو حركته، أو خضوعه لقوى السماء أم الأرض”. ثم ينتقل من هذا المدخل التجريدي إلى وصف تفصيلي دقيق للحجرات، والمطبخ، وصالة المعيشة، وحركة القاطنين، وألوان الجدران، ونوع البلاطات، وتاريخ المبنى وتحولاته. ويبرز هذا المنهج بوضوح في نموذج “بيت الحكومة” 1997، إذ يبدأ بوصفه مبنى متقشفاً في بلدة صغيرة على مشارف تورينو، قبل أن يتتبع تحولاته الوظيفية من مقر إداري إلى مدرسة ابتدائية، ثم إلى سكن للعاملين في الخدمة العسكرية بعد تهالكه.

ومن خلال هذا الوصف، يكشف بياني البعد الاقتصادي والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها سكان المكان، فيقول عن “بيت عائلة فخم” 2011: “لا يبعد من بيت عائلة الأول بمسافة كبيرة، لكنها مسافة تصنع فارقاً، صعود شارعين فقط، لكنه صعود كبير في المستوى الاجتماعي، من طبقة شعبية تملك وسائل الراحة إلى طبقة برجوازية ثرية ذات تاريخ عريق”. كما يوجه نقداً للرأسمالية عبر وصفه لبعض المدن، إذ يصور روما ليلاً في سكونها قائلاً: “الجمال بلا بشر مخيف لأنه يكشف عن طبيعته الزائفة والتجارية وارتباطه بالرأسمالية، إن لم يكن هناك شيء يباع فلن يكون هناك شيء يشاهد”.

ويتجلى ذلك أيضاً في التصنيف الطبقي لبيوت البحر، أو ما يسميه “بيت تحت الأرض”، حيث يظهر التمايز الاجتماعي والاقتصادي بين طبقات المجتمع فكل مكان له لون معين وعمارة مغايرة تكشف عن الوضع الاقتصادي لكل فئة اجتماعية. توجد حواجز مادية تفصل بين كل طبقة، كما يلاحظ أن غالب البيوت التي قدمها بياني هي ذات عمارة وأثاث فقير وتنتمي إلى عامة الشعب. وإذا ما وصف بيوت طبقة أعلى مادياً يكون استثناء، فحتى البيت الذي يطلق عليه بيت فخم كان هو الوحيد الطارئ على هذا المبنى.

الوصف التوثيقي

تعتمد الرواية على الوصف المشهدي التوثيقي، فهي لا تقدم أحداثاً، وإنما مشاهد، ولا تقوم على حبكة تراتبية، وإنما على ذكريات قادمة من ذاكرة مشوشة. يحمل كاميرا تحاول أن تحفظ كل تفاصيل المكان أو المشهد الذي يصفه. فعلى سبيل المثال، يصف “بيت الورم”: “الأبواب جميعها متشابهة من اللون الأبيض، مثل كل شيء حولها، الجدران بيضاء، والأسقف أيضاً، الشيء الوحيد البارز هو المقابض السوداء في الأبواب.

الأبيض، من ناحية أخرى، هو لون أبدي، ليس مشتقاً من شيء ولا يقود إلى شيء، وهو إيقاف ومقاومة ميتافيزيقية للورم والانتشار السريع للخلايا السرطانية وتكاثرها”. فكما يلاحظ من هذه الفقرة، أنه لا يوجه عنايته إلى الحدث بقدر ما يركز على وصف الصورة وتحليلها. وبالفعل، في الفصل الـ55، ينقل وصفاً لصورة له مع أخته في وقت الطفولة، ذاكراً ما تبقى في ذاكرته حول هذه اللقطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا الصدد تأتي حياة السارد “أنا” في شذرات غير مرتبة، وما نعرفه عنها لا يظهر إلا عبر تسربات تبدو كأنها غير مقصودة، طفولته، وعلاقته بالسلحفاة، وعمله في الصحافة، وزواجه ثم طلاقه. ومضات سريعة ترد كأحداث جانبية في سياق حديثه عن الشقق، والبيوت، والأماكن.

الذات وتجربتها

يستخدم بياني أسلوباً سردياً مغايراً فيتكلم عن الأنا بضمير الغائب طوال العمل “سترى أنا على كرسي يستند مرفقيه على المنضدة، عمود من معلبات وبيرة رخيصة الضريبة التي يدفعها أنا مقابل حماقته التي قادته إلى هنا”، ليرسم مسافة واعية بين الذات وتجربتها، فالسارد يراقب نفسه كموضوع وليس ذاتاً، مما أضفي على السرد طابعا تأملياً بارداً، أقرب إلى الرصد منه إلى الاعتراف.

 كما أنه يعمل على كسر الجدار مع المتلقي موجهاً الحديث إليه “نعود للداخل  ونضيق مجال الرؤية”، أو “المغزى هنا المواءمة”، ليجعل القارئ شريكاً في بناء الرؤية. غير أن هذا الانخراط لا يأتي بدافع الحميمية، بقدر ما هو خطاب توجيهي يعمل على تحديد مجال  الرؤية ويحدد زاوية التلقي، وهو ما ينسجم مع نزعة النص إلى التحكم في الصورة أكثر من إطلاقها وحرصه أن يرى القارئ الصورة كما يصفها هو من دون أن يترك مساحة كبيرة للخيال.

لا يهتم السارد على الإطلاق بذكر أسماء الشخصيات، “أخت، أب، أم، زوجة جدة، طفلة”، وفقاً للعلاقة التي تربطهم بأنا، بطل الرواية، فحتى الشخصيتين “السجين” و”الشاعر” لا يذكر صراحة أنهما ألدو مورو، وباوزليني اللذان شغلا إيطاليا والعالم في السبعينيات. فيجعل بذلك الرواية تنفتح على السياق الواقعي السياسي من دون أن يفقدها الطابع التجريدي، فسيتحضر اعتقال ألدو مورو وقتل بازوليني كحدثين حفرا في ذاكرة السارد كأصداء وظلال وليس كتوثيق مباشر، مراهناً على وعي القارئ وقدرته على ملء الفراغات، أكثر مما يمنحه سرداً تقليدياً مكتملاً.

أندريا بياني كاتب إيطالي ولد في روما عام 1975م، يعمل في مجال الصحافة والترجمة من اللغتين الفرنسية والإنجليزية، ويكتب الرواية والقصة القصيرة والمسرح. نشر روايته الأولى “موت البابا” عام 2002، ثم تلتها “هنا لا يوجد خاسرون” (2003)، و”مع خالص تحياتي” (2005)، و”لو أخذت الذنوب في الاعتبار” (2007)، التي نال عنها جائزة سوبر مونديللو، ورواية “كل الوعود” (2010) التي حازت جائزة باغوتا، ثم “أنت تعرفني” (2013)، وصولاً إلى روايته “كتاب البيوت” (2021).