في بداية سبعينيات القرن الماضي حينما كان المصريون يتبادلون على نطاق واسع أشرطة كاسيت تحمل خُطَب الشيخ عبد الحميد كشك – أحد الأصوات الأخوانية المعروفة – قدر تبادلهم لأغنيات المطرب الظاهرة أحمد عدوية، انتشرت بين الناس واقعة تهكم الشيخ كشك على شاعر العامية عبد الرحمن الأبنودي الذي كان التقاه أثناء وجود الاثنين رهن الاعتقال العام 1966، كشك بسبب انتمائه إلى جماعة الأخوان في ذروة الحديث عن قضية محاولة قلب نظام الحكم التي قادت مُنَظر الجماعة في ذلك الوقت سيد فطب إلى الإعدام العام 1965، والأبنودي بتهمة الانتماء إلى تنظيم يساري يهدف هو الآخر إلى زعزعة استقرار الحكم فيما عرف حينئذ بقضية “الخلية الصينية”.
يحكي كشك من منبر مسجده الشهير بمنطقة “دير الملاك” بالقاهرة أنه التقى بالأبنودي في المعتقل فإذا به يقول له: ألا تعرفني؟ فتهكم عليه الشيخ الضرير قائلاً: تطلع مين يعني؟ ليرد الشاعر الشاب ساعتها: أنا عبد الرحمن الأبنودي مؤلف أغنية “تحت الشجر يا وهيبة” وأغنية “التوبة” التي كانت الأغنية الأولى التي كتبها الأبنودي ليغنيها المطرب محمد رشدي من ألحان عبد العظيم عبد الحق وحققت انتشاراً مدوياً في عالم الأغنية الذي ربما لم يكن يعرف عنه الشيخ الضرير وعشيرته في المعتقل شيئاً، تماماً مثل موقفهم من الأغنية الثانية التي تغنى بها عبد الحليم حافظ من ألحان بليغ حمدي. وهنا تحول اللقاء العابر في ساحة المعتقل إلى حفلة سخرية أقامها الإسلاميون المعتقلون لذلك الشاعر الذي ظن أنه يكفيه أن يكون مؤلف أغنية عاطفية ذائعة الصيت.
لم يتوقف الأبنودي المولود في 11نيسان 1938 أمام هذا الموقف رغم كثرة أحاديثه الإعلامية عن ذكريات مشوار العمر، لكنه قال لي في لقاء خاص حين ذكرته بما حكاه الشيخ كشك، أنه خرج من المعتقل في نيسان 1967 وقد انطوى على تغيير مساره بما يجعل اسمه مقترناً بما يحظى بتقدير الجميع على اختلاف انتماءاتهم رغم إيمانه بما قدمه مع المطرب محمد رشدي تحديداً. فحمل حقائبه مباشرة من المعتقل إلى قريته ابنود بمحافظة قنا في صعيد مصر عاقداً العزم على جمع أشعار السيرة الهلالية ومقررًا عدم كتابة الأغنية العاطفية بعد تلك الواقعة.
وبينما مصر في حالة شحن جماهيري لم تعرفه من قبل، وأبواق الإعلام الرسمي تهيئ الناس لمعركة مقبلة مع إسرائيل على خلفية الحشود الإسرائيلية على الجبهة السورية، تلقى الأبنودي في قريته اتصالاً هاتفياً من عبد الحليم حافظ، والإذاعي المعروف أحمد سعيد مدير إذاعة صوت العرب، يطالبانه بالعودة سريعا إلى القاهرة لأن البلد في حالة حرب، وعليه أن يكتب أغنية تناسب هذه الظروف. ولم يكن الأبنودي – كما قال لاحقا – مؤمناً في تلك اللحظة بتوجهات القيادة السياسية ولا بنيّتها الدخول في حرب مع إسرائيل، لكنه وجدها فرصة للتعبير عن موقفه من إسرائيل وأميركا طالما أنه غير قادر على حمل السلاح والمشاركة في المعركة المنتظرة.
ويحكى الشاعر الراحل أنه، مشحوناً بهذه الدوافع، استغل رحلة القطار من قنا إلى القاهرة، ووضع كلمات 12 أغنية، ومن محطة القطار في ميدان رمسيس إلى منزل الموسيقار كمال الطويل بالزمالك ليسمعه كلمات هذه الأغنيات التي كان من بينها: أحلف بسماها وبترابها، بالدم، إنذار يا استعمار، يا بركان الغضب يا موحد العرب، أضرب. ثم درة هذه الأغنيات التي حملت موقفاً سياسياً واضحاً، وهي “ابنك يقول لك يا بطل” التي يقول فيها الأبنودي: ابنك يقول لك يا بطل هاتلي نهار، ابنك يقول لك يا بطل هاتلي انتصار، ابنك يقول أنا حواليا المية مليون العربية، ولا فيش مكان للأميركان بين الديار”. ليتحول الشطر الأخير من الأغنية من موقف شاعرها الشخصي، إلى هتاف تردده الجماهير في كل مكان، وشعار عام لتلك الأيام التي سبقت نشوب حرب حزيران 1967، حسبما يتذكر جيداً مَن عاشوا أجواء تلك المرحلة المحتقنة من تاريخ المنطقة العربية.
مع أسرته
ودخل عبد الحليم حافظ استوديو الإذاعة المصرية لتسجيل هذه الأغنية في 25 أيار 1967، اليوم ذاته الذي أعلن فيه عبد الناصر إغلاق مضيق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية، وظن الأبنودي أن حكاية “ابنك يقول لك يا بطل” قد انتهت عند هذا الحد، لكنه فوجئ بأم كلثوم التي كانت في الإذاعة المصرية، تطلب من كمال الطويل أن تغني هذا العمل، لكن الأبنودي رفض وقال للطويل: أتريدني أن أطلب من عبد الحليم أن يخرج من الاستوديو كي تغني أم كلثوم الأغنية بدلاً منه؟! هذا لن يكون أبداً، ومنذ تلك اللحظة وقعت القطيعة بين الأبنودي وأم كلثوم، وفشلت كل المحاولات في الجمع بينهما في عمل غنائي واحد.
ووقعت الهزيمة بكل مراراتها، ولم يفلح الشحن المعنوي في شيء، ولم تُجدِ الأغنيات نفعاً، وانكسر بل وانكفأ كل من صنعوا هذا الزيف: الإذاعي أحمد سعيد، والأبنودي، وصلاح جاهين، وكمال الطويل، إلا عبد الحليم الذي أصر على المقاومة، آخذاً في طريقه من جديد شاعره المناضل بالغناء، فأخرج الأبنودي من سترته قصيدة كان قد كتبها قبل سنوات متوقعاً الهزيمة الآتية لا ريب، وألقى بها في حضن الملحن بليغ حمدي بعدما رفض كمال الطويل العودة إلى التلحين. فكانت المرثية التحريضية البديعة “عدّى النهار” التي يقول الأبنودي في مطلعها: “عدى النهار، والمغربية جاية تتخفى ورا ضهر الشجر، وعشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر، وبلدنا على الترعة بتغسل شعرها، جانا نهار ما قدرش يدفع مهرها”. وهكذا أصبح النهار الذي كان الابن يطالب به في أغنية “ابنك يقول لك يا بطل”، هو نفسه الذي لم يستطع أن يدفع مهر البلد التي تغسل شعرها على ضفة ترعة في ريف مصر. لكن الأبنودي وعبد الحليم لم يرضيا بأن تسري تلك الروح الانهزامية، فأنهيا “موال النهار” بالجملة التحريضية الشهيرة: “أبداً بلدنا للنهار بتحب موال النهار لما يعدى في الدروب ويغمي قدام كل دار”.
الأبنودي وزوجته الإعلامية نهال كمال
وفي العام التالي على هزيمة 1967 استمر الأبنودي في نضاله بالكلمة والأغنية، وكتب لعبد الحليم أغنية “المسيح” التي لحنها بليغ حمدي أيضاً وغناها العندليب لأول مرة في حفلة قاعة “ألبيرت هول” بلندن لتحمل موقفاً سياسياً واضحاً من قضية القدس، لكن فجأة شعر الأبنودي في هذه الأثناء بعبثية كل ما يحدث، وأن الغناء لن يحرر الأرض أو يحرك القضية، فذهب إلى مدينة السويس ليشارك الجنود والأهالي الباقين هناك مأساة الهزيمة، ويتبنى صوت المطرب محمد حمام صاحب أغنية: “يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي، استشهد تحتك وتعيشي أنتي”. وبعد وفاة عبد الناصر العام 1970، ويأس الأبنودي من قدرة السادات على تحريك الوضع، قرر الشاعر الكبير الهجرة إلى لندن، وبقى فيها حتى استدعاه عبد الحليم من جديد في شباط 1974 بعد اسابيع من نصر أكتوبر، ليكتب له واحدة من أرق أغنيات النصر، وهي “وصباح الخير يا سينا” من ألحان كمال الطويل الذي كان قد عاد إلى التلحين الوطني مع بدء معركة 1973.
المدهش أنه مع تداعي الأحداث الأخيرة في لبنان وغزة وإيران، شهدت محركات البحث اهتماماً واضحاً بأغنية “ابنك يقول لك يا بطل”، لا سيما الشطر لقائل: “ولا فيش مكان للأمريكان بين الديار”. ويا لشدة ما أصاب الإحباط الباحثين عن الأغنية حين وجدوها منزوعاً منها هذا الشطر بفعل تغير الموقف الرسمي المصري من الولايات المتحدة الأميركية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي.
