Published On 1/5/20261/5/2026
طائرات مسيّرة يتم التحكم فيها عبر كابلات ألياف ضوئية رفيعة للغاية، صغيرة الحجم ومموهة وفعالة، سرعان ما تحولت إلى سلاح قاتل في يد حزب الله يتعقب به جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وقد أحدث هذا التطور الميداني تحولا نوعيا في تكتيكات الحرب المتبعة من الحزب ضد الجيش الإسرائيلي، وبات بالفعل سلاحا مقلقا لإسرائيل العاجزة حتى الآن عن التصدي له.
اقرأ أيضا list of 3 itemsend of listقاتل غير مرئي
ولفتت هذه التقنية الانتباه إليها بقوة بعد أن نجحت -أمس الخميس- في الإجهاز على جندي إسرائيلي في جنوب لبنان، وإصابة ما لا يقل عن 12 آخرين في شمال إسرائيل، اثنان منهم في حالة خطيرة. كما قتلت جنديا ومتعاقدا عسكريا مع الجيش الإسرائيلي في لبنان في وقت سابق من هذا الأسبوع.
وأعلن حزب الله أنه بدأ استخدام الطائرات المسيرة -الموجهة بالألياف الضوئية- لأول مرة خلال جولة القتال التي بدأت في 2 مارس/آذار الماضي، بعد سنوات من استخدام أنواع أخرى من الطائرات المسيرة.
وقدّر علي الجزيني -الصحفي المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية والمتابع عن كثب لقدرات حزب الله- أن تكلفة بعض هذه الطائرات المسيرة -التي يستخدمها الحزب- تتراوح ما بين 300 و400 دولار أمريكي للطائرة الواحدة.
وأضاف أنها تُصنع محليا على ما يبدو باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، بالإضافة إلى مكونات إلكترونية متوفرة بسهولة تُستخدم عادة للأغراض المدنية، ولكنها قابلة للاستخدام المزدوج.
ووفقا للخبير العسكري نضال أبو زيد، فإن لجوء حزب الله لتقنية الألياف الضوئية لم يكن ترفا، بل جاء استجابة وتكتيكا مضادا، بعد أن نجحت منظومات الحرب الإلكترونية للاحتلال في إسقاط أو التشويش على أغلب الطائرات المسيرة اللاسلكية التقليدية التي كان يستخدمها الحزب.
واستدل أبو زيد -في تحليل للجزيرة- على دقة هذا السلاح الجديد بما حدث عندما استهدف حزب الله بدقة كبيرة إحدى المروحيات المخصصة للإجلاء الطبي التابعة للجيش الإسرائيلي.
ويرى الخبير العسكري أن هذا التطور يشير بوضوح إلى أن حزب الله لا يعمل بعشوائية، بل ينتهج تكتيكات منتظمة تهدف بالأساس إلى “إعماء” سلاح الجو الإسرائيلي، حسب قوله.
ويظهر ذلك جليا من تركيز الحزب على استهداف مستوطنات الشمال وقاعدة “ميرون” الاستخبارية الحساسة، وبالون التجسس “الأيروستات” المعني بجمع المعلومات وتوجيه الطائرات في الجنوب.
مضادة للتشويش
وعلى عكس الطائرات المسيرة التقليدية، فإن الطائرات ذات الألياف الضوئية لا تُقاد عبر إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) أو التحكم اللاسلكي، بل هي مزودة بكابل رفيع يمتد خلفها، ويربط وحدة تحكّم المشغل بالطائرة المسيرة مباشرة، مما يجعل التشويش الإلكتروني عليها مستحيلا.
ويمكن تحديد خصائص هذه الطائرات عبر هذا الرصد الذي حدده خبراء متخصصون:
تستطيع التحليق على ارتفاعات منخفضة وبسرعات عالية، مما يجعل رصدها وتدميرها أكثر صعوبة.
تُصنع من الألياف الزجاجية خفيفة الوزن، مما يعني أنها لا تُصدر أي بصمة حرارية أو رادارية تقريبا.
لديها القدرة على تجاوز نظام الحماية النشط “تروفي” المثبت على دبابات ميركافا الإسرائيلية.
يسمح عرض نطاق الألياف ببث فيديو عالي الجودة بشكل مستمر حتى في تضاريس معقدة كالأودية وبين المباني.
لديها القدرة على تنفيذ عمليات استهداف دقيقة لآليات عسكرية وتجمعات قوات.
يمتد الخيط لمسافة تتراوح بين 10 و30 كيلومترا، مما يسمح للطائرة المسيرة بالوصول إلى أهداف بعيدة.
تحمل هذه الطائرات في طياتها رأسا متفجرا يزن ما بين 10 و20 كيلوغراما في بعض النسخ، قادرا على تدمير الآليات المصفحة.
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤول في حزب الله أن هذه التقنية منخفضة التكلفة مقارنة بالأسلحة الإسرائيلية، ومع ذلك فقد جعلت جنود وآليات الجيش الإسرائيلي أهدافا سهلة في ساحة المعركة.
تخبط إسرائيلي
اعترف خبراء عسكريون ومسؤولون سابقون في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بوجود حالة من التخبط والعشوائية في تعاطي الجيش الإسرائيلي مع الطائرات المسيرة المزودة بألياف ضوئية.
وصرح مسؤول عسكري إسرائيلي لوكالة أسوشيتد برس -دون الكشف عن هويته- بأن هذه الطائرات المسيرة باتت تشكل تهديدا جديدا نسبيا خلال الجولة الأخيرة من القتال مع حزب الله.
وأرجع الرئيس السابق لقيادة الدفاع الجوي في الجيش الإسرائيلي ران كوخاف فشل إسرائيل في محاولاتها التصدي لهذه الطائرات إلى قدرتها على التحليق بارتفاع منخفض وبسرعة فائقة، فضلا عن صغر حجمها، مما يجعل رصدها صعبا للغاية، وحتى بعد رصدها فإنه يصعب تتبعها.
وأوضح كوخاف أن إسرائيل أمضت سنوات في التركيز على تعزيز أنظمة دفاعها الجوي لتحسين الحماية من الصواريخ والقذائف، لكن الطائرات المسيرة لم تُعتبر من الأولويات القصوى.
وقال إن إسرائيل كان ينبغي أن تتابع التطورات في مجال الطائرات المسيرة المزودة بالألياف الضوئية في الحرب في أوكرانيا، على افتراض أنه -كما حصل في روسيا- سيجري استخدامها من حلفاء إيران الآخرين في نهاية المطاف.
تحذيرات سابقة
من جهتها، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين عسكريين وجنود قولهم إن تزايد استخدام حزب الله لطائرات مسيرة تعمل بنظام الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV) يشكل تهديدا كبيرا للجيش الإسرائيلي.
وقال المسؤولون والجنود للصحيفة إن إسقاط المسيرة قد يستغرق ساعة كاملة، وإن إسرائيل ألم تأخذ بجدية مشكلة مسيرات حزب الله إلا بعد وقوع قتلى مؤخرا.
وأشاروا إلى أن الوحدات تتخبط وتحاول ابتكار حلول أمام مسيرات حزب الله مثل تغطية المعدات والمواقع العسكرية بشباك لاصطياد الطائرات.
كما نقلت الصحيفة عن مسؤول أوكراني أن كييف عرضت مرارا تبادل الخبرات مع إسرائيل لمواجهة تهديد الطائرات الإيرانية لكن تم تجاهل ذلك، ولم تأخذ إسرائيل “تحذيراتنا في الاعتبار ومنذ 7 أكتوبر وحتى اليوم تواجه تطبيقا عدوانيا لخبرات قتالية مستمدة من روسيا عبر وكلاء إيران”.
عجز إسرائيلي عن التصدي للطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله (رويترز)حلول ارتجالية وإحباط
نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤول إسرائيلي ومسؤول آخر سابق أن الجيش الإسرائيلي لم يكن مستعدا بشكل كاف للدفاع ضد هذا التكتيك الجديد، وإن لم يكن مفاجَأً به.
وبحسب مستشار الأمن القومي السابق للحكومة الإسرائيلية إيال هولاتا فإن إسرائيل تلجأ حاليا إلى حلول ارتجالية. وأوضح أن الجيش يستخدم -من بين وسائل أخرى- شباكا لا تستطيع الطائرات المسيّرة اختراقها لحماية المباني والمركبات التابعة للقوات الإسرائيلية.
ورغم ذلك تتفشى حالة من الإحباط داخل الجيش الإسرائيلي في ظل العجز الفعلي عن تحييد هذه التقنية الجديدة في المعركة.
وذكر مدير مكتب الجزيرة في رام الله وليد العمري أن الجيش الإسرائيلي -رغم تكثيف غاراته وإعلانه استهداف أكثر من ألف منشأة- يواجه “تحديات خطيرة جدا”، مشيرا إلى حالة إحباط داخل الوحدات القتالية نتيجة عدم امتلاك أدوات كافية لاعتراض هذه المسيّرات.
وأضاف العمري أن هذه الطائرات الموجهة بالألياف الضوئية تواصل تنفيذ ضربات دقيقة مسببة سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود خلال الأيام الأخيرة، وهو ما يعمق الشعور بالعجز الميداني لدى القوات التي تجد نفسها أمام تهديد يصعب احتواؤه.
وأوضح أن استمرار فاعلية هذه المسيّرات -رغم كثافة الضربات الإسرائيلية- يعكس محدودية تأثير القوة النارية في تحييد هذا التهديد، ويكشف فجوة عملياتية تتسع مع الوقت، في ظل غياب حلول تقنية سريعة لدى الجيش الإسرائيلي.
