بينما يحتدم النقاش الداخلي في إسرائيل حول سير العمليات في لبنان واتهام رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، برضوخه لضغوط الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على حساب أمن السكان، تشهد إسرائيل خلافات وتبادل اتهامات بين الأجهزة الأمنية المختلفة حول المسؤولية عن عجز الجيش الإسرائيلي في مواجهة المسيرات المتفجرة التي يستخدمها “حزب الله”، والتي أدت خلال الأسبوع الأخير إلى مقتل وإصابة جنود في جنوب لبنان. وقد اعتبرتها إسرائيل التحدي الأكثر خطورة، ليس فقط للجيش ومعاركه في جنوب لبنان، إنما أيضاً للإسرائيليين بعد اختراقها أجواء الشمال الإسرائيلي خلال يومي الخميس والجمعة، وإصابة أهداف مباشرة أدت إلى وقوع جرحى ونشوب حرائق وتدمير بنى تحتية في موقع سقوطها.
نتنياهو، الذي يتعرض لحملة انتقادات لمنعه الجيش من حسم عملياته في لبنان والعودة إلى الخطة الرئيسية له في لبنان واستكمال بنك أهدافه، وذلك رضوخاً لمطلب الرئيس الأميركي، الذي لم يتجاوب مع مطلب نتنياهو في محادثة بينهما بعدم الاستمرار بسياسة “ضبط النفس” ومنح إسرائيل الضوء الأخضر لتكثيف الهجمات وتوسيعها في لبنان. وعلى الرغم مما عرضه أمامه من مخاطر يتعرض لها الجنود داخل لبنان، تحديداً المسيرات المتفجرة التي توقع جنوده في كمائن يومية، إلا أن ترمب يبذل الجهود لدفع وإنجاح المسار الدبلوماسي.
في إسرائيل، وبعد تفجير مسيرتي الخميس والجمعة، عادت منطقة الشمال إلى حالة طوارئ قصوى، منذ صباح الجمعة وحتى الساعة الثامنة من مساء الإثنين، وفرضت على السكان البقاء بالقرب من أماكن آمنة، كما تم تمديد وقف صفارات الإنذار، وهو وضع صعد نقاش المسيرات المتفجرة ومدى خطورتها وسبل التصدي لتحدياتها إلى أولويات أجندة الإسرائيليين، من دون ضمان حل قريب لمواجهتها.
في هذه الأثناء تجري مشاورات مع جهات أجنبية في محاولة لبلورة منظومات دفاعية وغيرها من الطرق الدفاعية، بينما تحاول الأجهزة الأمنية التخفيف من إصابات الجنود وتعرضهم للخطر من خلال حلول موقتة، بينها تزويد الجنوب ببنادق “شوتغن” ومناظير خاصة مرفقة برادارات ووضع شبكات لتغطية الهامر.

طائرة مسيرة تعمل بالألياف البصرية محاطة بأسلاك متشابكة في كريات شمونة بعد نقلها من لبنان (أ ب)
تجاوز أنظمة الدفاع
خطة الجيش الحالية هي إدخال رادارات تكتيكية تتحرك مع الجنود وتتميز بإخراج صوت خفيف لمساعدة الجنود في اكتشاف الطائرات المسيرة، إلى جانب التزود بوسائل بصرية مختلفة بهدف إنشاء ما يشبه نظام “لون أحمر”، لمنح الجنود بضع ثوانٍ للاستعداد قبل سقوط المسيرة.
تقرير إسرائيلي أشار إلى أن “حزب الله” زاد من استخدام الطائرات المسيرة الانتحارية، إذ ينجح في تجاوز أنظمة الدفاع الإلكترونية التابعة للجيش الإسرائيلي باستخدام وسيلة بسيطة لكنها فعالة في قدرتها القتالية، وفق التقرير الإسرائيلي.
بحسب تقديرات الجيش الإسرائيلي، يمتلك “حزب الله” آلاف الطائرات المسيرة الانتحارية، بما في ذلك النماذج الأبسط والأرخص التي يمكن شراؤها عبر الإنترنت بمبالغ لا تتجاوز مئات الدولارات.
تقرير للجيش الإسرائيلي أشار إلى أن الحزب كثف من استخدام الطائرات المسيرة على حساب الصواريخ المضادة للدروع والقذائف، مستفيداً من دقتها النسبية وصعوبة اعتراضها. وبحسب التقرير، يعود هذا التحول إلى سببين رئيسيين: لاعتبار هذه الطائرات سلاحاً دقيقاً مقارنة بالأسلحة غير الموجهة مثل الصواريخ، ولصعوبة اعتراضها نظراً لصغر حجمها وسرعتها. وبحسب الجيش، فإن هذه المسيرات تستطيع حمل مواد متفجرة يتراوح وزنها بين 1 و6 كيلوغرامات، ما يجعلها تهديداً قاتلاً للقوات، كما أنها متاحة نسبياً لعناصر التنظيم في الميدان.

القدرة على اعتراض المسيرات التي يتم التحكم بها من خلال كابل الألياف البصرية محدودة جداً (أ ب)
تقرير إسرائيلي تناول طرق عمل “حزب الله” لهذه المسيرات قال إن التنظيم يستخدم حالياً نوعين رئيسيين: النوع الأول يتم التحكم به عن بعد عبر ترددات راديوية، ويستطيع الجيش الإسرائيلي التعامل معه نسبياً من خلال وسائل الحرب الإلكترونية. أما النوع الثاني، وهو الأخطر، فيدار عبر كابل من الألياف البصرية، ما يجعله محصناً ضد التشويش الإلكتروني. وبفضل هذه التقنية، يمكن تشغيل الطائرة من مسافات تصل إلى نحو 15 كيلومتراً. وتشبه هذه المسيرات تلك المستخدمة في الحرب في أوكرانيا، ويبدو أن “حزب الله” يمتلك خبرة متقدمة في تشغيلها.
ولا تزال القدرة على اعتراض المسيرات التي يتم التحكم بها من خلال كابل الألياف البصرية محدودة جداً، وفي مواجهة هذا التهديد التكنولوجي، يجري الجيش الإسرائيلي تجارب على أنظمة جديدة للكشف والاعتراض لا تعتمد على الحرب الإلكترونية، بهدف التغلب على التحديات المرتبطة باستخدام الألياف البصرية. ويعد ذلك جزءاً من سباق تسلح تكنولوجي.
تقرير آخر حول الموضوع أشار إلى أن عناصر الحزب يقومون بتجميع أجزاء هذه المسيرات بأنفسهم من مكونات يمكن شراؤها عبر الإنترنت أو طباعتها باستخدام طابعات ثلاثية الأبعاد، بينما يعتمد الرأس الحربي فيها على قذائف RPG أو أنواع مختلفة من القنابل اليدوية. وقد طور الجيش الأوكراني خلال سنوات الحرب مهارات مكنته اليوم من تصنيع معظم مكونات الطائرات المسيرة والدرون بنفسه، وقد سبق واقترحت أوكرانيا على إسرائيل التعاون لمواجهة هذا الخطر لكنها تل أبيب رفضت.
القلق الإسرائيلي يكمن من خطر أن يحصل “حزب الله” على مسيرات من الخارج تعمل عبر الألياف البصرية، ويصل مداها إلى 20 و30 كيلومتراً وأكثر. مسؤول عسكري حذر، استناداً إلى التجارب السابقة، من وصول هذه المسيرات المعتمدة على الألياف البصرية إلى المنطقة قريباً، ما يعني، بحسبه، “أن ‘حزب الله’ قد يمتلك قريباً سلاحاً منخفض التكلفة، مرناً ودقيقاً، ومقاوماً للحرب الإلكترونية، وقادراً على تجاوز خط الصواريخ المضادة للدروع في جنوب لبنان. تكلفة كابل الألياف البصرية بطول كافٍ مئات الدولارات، وحتى مع إضافة تكلفة تكييف الطائرة، تبقى الكلفة الإجمالية منخفضة مقارنة بالبدائل”.
ونقلت صحيفة هآرتس عن أحد جنود الاحتياط المرتبطين أيضاً بالصناعات الدفاعية: “كنا في قرية في جنوب لبنان أواخر عام 2024، وفي مرحلة ما اقتربت منا طائرة مسيرة تحمل رأساً حربياً، وتم إسقاطها باستخدام نظام حرب إلكترونية مثبت على إحدى الدبابات. لو كانت تعمل عبر الألياف البصرية، لما نجح ذلك”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الجيش علم لكنه أهمل الخطر
إذا كانت الأجهزة الأمنية اعتبرت أن هذه المسيرات تشكل تحدياً كبيراً للجيش الإسرائيلي في مواجهاته مع “حزب الله”، فقد اعتبر العميد احتياط، ران كوخاف، القائد السابق لمنظومة الدفاع الجوي، أن التحدي هو في اكتشاف منظومة دفاع وآليات تمنع خطر كمائن “حزب الله” عن الجنود. وبرأيه، في الوقت الحالي هناك حاجة لإيجاد حل صغير، بسيط ورخيص جداً، لأنه يجب نشره على طول الجبهة ولكل المهام، لتمكين الجنود من حماية أنفسهم.
تقارير للاستخبارات العسكرية كشفت أنه تم إبلاغ الجيش أكثر من مرة منذ فترة عن خطر هذه المسيرات وحيازة “حزب الله” لها، لكن، بحسب أكثر من مسؤول، الجيش تجاهل وأهمل “ونام عميقاً”، وفق وصف أحد التقارير الذي تطرق إلى عدة فرص لم تستغل واستخلاص العبر منها والبحث عن منظومة لمواجهتها، بينها:
في يونيو (حزيران) 2019، أحبط جنود منسق أعمال الحكومة في المناطق عمليات تهريب طائرات مسيرة إلى قطاع غزة عبر مئات الطرود البريدية التي كان من المفترض أن تمر عبر معبر إيرز. وقد تحايلت “حماس” وطلبت أجزاء الطائرة المسيرة بشكل منفصل عبر عدد كبير من الطرود لخداع قوات الأمن.
في العام 2021، نشر تقرير مراقب الدولة الذي انتقد الاستعداد الوطني لمواجهة تهديد الطائرات المسيرة، في وقت كثف فيه “حزب الله” حرب الطائرات المسيرة ضد الجيش الإسرائيلي ونجح في اختراق الأراضي الإسرائيلية بحرية كبيرة.
في عام 2022، كانت الحرب الروسية الأوكرانية التي بلغت ذروتها في حرب الطائرات المسيرة بمختلف أنواعها، سواء في الهجوم أو في حلول الدفاع لدى الطرفين. في سلاح البر كتبوا كتيباً ضخماً يتضمن استنتاجات من تلك الحرب، لكن أياً منها لم يتحول إلى مشروع ضخم يقلص الفجوة.
ضمن التوصيات التي قدمت للمؤسسة الأمنية ضرورة اتخاذها قرارين لإحداث تغيير في الوضع:
الأول، فتح قنوات عمل مع شركات إسرائيلية، التي ضاعفت في الآونة الأخيرة بيع منتجاتها حول العالم لكنها تجد صعوبة داخل البلاد في اختراق حاجز الشركات الكبرى.
الثاني، يتعلق ببناء القوة في الجيش. وبحسب التقرير “حان الوقت لأن تعترف هيئة الأركان بقوة التدريب في قسم الطائرات المسيرة في وحدة مكافحة الإرهاب، وبالنجاحات العملياتية للوحدة متعددة الأبعاد، التي أثبتت تميزاً وفعالية في حل التحديات، بما في ذلك حماية القوات المتحركة، وبناء القوة بسرعة، إضافة إلى وحدات مصنفة أخرى طورت خلال العام الأخير”.
بالتوازي، يبحث الجيش في إمكانية إقامة كتيبة طائرات مسيرة هجومية وكتيبة طائرات مسيرة دفاعية، على حساب تشكيلات تقليدية أخرى، باستخدام طائرات مسيرة من الأكثر تطوراً في العالم.
