يظنّ البعض أن لا علاقة بين الرقص والسياسة، إلا أنّ البعض الآخر يرى فيهما وجهان لعملة واحدة، وربما اختفت هذه العلاقة في العصر الراهن، وتبدلت أنماط الرقص من زمن إلى آخر، مما يسمى “العوالم” إلى الرقص الشرقي. على أن الراقصة تتشابه مع السياسيّ في عشْقِ كل منهما للرقص… وكان الروائي التشيكيّ – الفرنسيّ ميلان كونديرا أبدع في وصف الرقص السياسيّ في العصر الحديث، على لسان بطله “بونتيفان” في رواية “البطء” قائلاً إن جميع ساسة هذه الأيام، بداخل كل منهم جزء من الراقص(!).

 

 الراقص يختلف عن السياسيّ في أنه لا ينشد السلطة، بل المجد(!) ليس لديه الرغبة في أن يفرضَ على العالم هذا المشروع الاجتماعي أو ذاك، وإنما في أن يستحوذ على المسرح لكي يلمع تحت الأضواء، والاستحواذ على المسرح يتطلب أن تبعد الآخرين عنه، وهذا يلزمه تكتيكات قتالية من نوعٍ خاص. لا أدري إن كان هذا الكلام ينطبق على الرقص الشرقي، الذي يبهر الأنفاس من وجه، ويتعرض للرجم والمنع من وجه آخر، أو هو موضع شدّ حبال بين الذين يمجدونه سراً وعلناً، في البيوت وفي الملاهي، وبين الذين يوظفونه في سياسيات وصفقات، وبين الاثنين هناك من يصنفه في خانة “الفعل الشيطاني”، والمرذول… أحسب أن إحساس المرأة بذاتها وهي ترقص، وهي تنظر إلى كل أعضاء جسدها وتحاور نفسها، في إيقاع انسيابي وافعواني متناسق مع نرجسية أنثوية، تفضي المتلقي (السياسي وغيره) إلى الرقص بلسانه، وحين جسدت الممثلة نبيلة عبيد دور الراقصة سونيا في فيلم “الراقصة والسياسي” الذي لعب بطولته الفنان صلاح قابيل، تقول للسياسي “إيه حكاية رقاصة رقاصة، ما إحنا الاثنين زي بعض يا عبد الحميد، أنا وانت بنرقص يا عبد الحميد، كل واحد بيرقص بطريقته، أنا برقص بجسمي، وأنت بترقص بلسانك”. وغالباً، ورغم أن السياسي يرقص بلسانه للراقصة، أو يتورط معها، أو يورطها في مؤامراته، فالصفة التي تطلق على سياسته لازدرائه والحط منه ومن شخصه ومواقفه أنه “رقاصة”، وهذه الكلمة في مرادف الشتيمة الكبرى. أما وقع الرقص الشرقي فمختلف في لحظة حصوله، فحين سألت المستشرقة البريطانية وندي بونا فنتورا النساء الغربيات أن يتوقفن ليحللن السبب وراء انجذابهن إلى الرقص الشرقي، فإن الجواب الذي يأتيك هو أن الأوراك المتمايلة كما التنويم المغناطيسي، والتموجات الملتوية المتعرجة، تصعقهن بوصفها خلاصة الأنوثة: الترفع والسلطة معا، والرقة والقوة، إضافة إلى أن الحركات المتحدّية تشكّل جاذباً كبيراً للراقصة التي تتعرّف إلى نفسها كامرأة، من خلال قلة الحركات لا كثرتها. والنساء يرقصن لأنهن في الرقص الشرقي يتعرفن على أنفسهن كنساء. والراقصة بمزجها بين الحشمة والعرض وبحركاتها المنسابة المتموجة، لها صفة مهدئة مسكنّة تخفف ما فيها من إثارَةٍ جنسية بحسب المستشرق مورو بيرغر. على أن إثارة الرغبة الجنسية تقابلها وتصدّها اللذّة البصرية الصرف في الحركة السلسة الصافية والاستمتاع الصوتي، بالموسيقى، وهذان معاً يبعثان أحياناً هدوءاً يكاد يكون منوماً ومغنطيسياً، يقطع حبله الاستعجال في سرعة الموسيقى والتغيير في الإيقاع. وتضج الذاكرة العربية بالعديد من العلاقات الملتبسة والمتناقضة التي جمعت بين الراقصات المصريات ورجال السياسة أو الراقصات بالجسد والراقصين باللسان، والراقصات لعبن دوراً في الحياة السياسية المصرية، مرات قليلة كن مناضلات أو ناشطات في السياسة، ومرات أكثر كن قاموس الرغبة في سهرات السياسيين أو سهرات عائلاتهم، واستعانت الحكومات بهنّ (أي الراقصات) في العلاقات الخارجية أيضاً. لكنّ العلاقة بين الطرفين لم تكن دائماً على أحسن ما يرام، فالراقصة إما تقع في فخ الجاسوسية، أو الجنس، يصير رقصها نقطة الفصل والوصل بين المجتمعين في سهرة أو عشاء تكريمي لزعيم أو رئيس…

 الراقصة المصرية سهير زكي (1945 -2026) التي كانت محط اهتمام الكتّاب والمجتمع والسلطة والراحلة اخيراً، تدخل في دائرة المتخيل الكتابي والسردي والاستعاري والنقدي والسلطوي، فهي خليط من تناقضات وألوان وحركات. كان الكاتب إحسان عبد القدوس، كاتب فيلم “الراقصة والسياسي”، يقول عنها: “إن ابتسامتها وحدها رقصة”. فيما يعتبر الروائي النوبلي نجيب محفوظ رقصتها أشبه بمسرحية كاملة “يتجاوب معها الجمهور حتى النهاية”… بدأت أولى خطواتها كراقصة مع مطلع الستينيات مستغلة الفراغ الذي خلفه توقف كل من تحيّة كاريوكا وسامية جمال ونعيمة عاكف عن ممارسة الرقص، وهؤلاء أبرز اللواتي وضعن الرقص الشرقي في صورته الجديدة والمعاصرة والسينمائية. ورقص سهير كان له وقع خاص من ناحية اختيار الموسيقى التي ترافقها، ففي عام 1964 لأول مرة تحولت مقدمة أغنية “أنت عمري” لأم كلثوم لحن محمد عبد الوهاب، أصبحت رقصة ترقصها سهير زكي، وعلى وقع تقاسيم القانون وانسيابية اللحن ورشاقته. ففي فيلم “الشقيقان” (1965) ترقص سهير زكي على تقسيمة من الأكورديون بصحبة الإيقاع يعقبها مقدمة “أنت عمري”، ويعلق الضيف أحمد ساخرًا “أرجوكم خليني انطرب”. ركزت سهير على حركة الذراعين والخصر والصدر في الترجمة، بمصاحبة هزة الرأس والشعر الطويل الذي تميزت به. تقسم سهير حركات الجسد وفقاً لما تسمعه أذناها من أنغام موسيقية تغرد دون غناء، وكل عضلة في الوجه والجسد ترقص وتتنفس موسيقى، فنشعر وهي تمشي وكأنها ترقص وحتى عندما تقف تمنح صمت الموسيقى بلاغته، والإثارة لديها راقية تلامس الروح لا الجسد” على ما تقول الكاتبة السورية آية الأتاسي.

 

واحتلت سهير مع نجوى فؤاد قمة هذا اللون من الفن المرذول المحبوب، وان استمرت المنافسة بينهما، وتختطفهما شاشة السينما. وسهير بعد مشاركتها سنة 1963 برقصة قصيرة في فيلم “عائلة زيزي” للمخرج فطين عبدالوهاب، أخذت أبواب السينما تنفتح لها كراقصة وكممثلة، لا سيما بعد أن تزوجت من مدير التصوير المعروف محمد عمارة نجل المخرج إبراهيم عمارة، فأصبحت قاسماً مشتركاً في معظم أفلامهما، وبلغت سهير زكي في السبعينات من الشهرة ما جعل معاهد تعليم الرقص في أوروبا تطلبها، ويستمد بيار كاردان بعض تصميماته من أزيائها…

وشكلت سهير ثنائياً فنياً مع الموسيقار بليغ حمدي. يقال إن الحكاية بدأت من خلال واقعة متعلقة بأم كلثوم، حين تلقّت خبراً جعلها تغضب، إذ أُبلغت بأن هناك راقصة تستخدم أغانيها وموسيقى مُلحنيها للرقص في الحفلات والملاهي الليلية، حيث رفضت أن تقوم راقصة بالرقص على موسيقاها في صالات “السكر والعربدة”، حسب قول أم كلثوم التي اتصلت ببليغ حمدي لتُخبره بما حدث، فوعدها بأنه سيذهب إلى الملهى الذي ترقص فيه تلك الراقصة ويوبخها على استخدام ألحانه، ولكن حدث العكس، فعندما شاهد بليغ سهير زكي ترقُص على الحان “ألف ليلة وليلة” انبهر بها، وذهب إلى منزل “الست” وطلب منها أن تذهب وتشاهد فقط.

وجلست أم كلثوم بعيداً عن سهير زكي، وبدأت تتابعها على استحياء وانبهرت كثيراً بأدائها الحركي، وبعد انتهاء الفقرة صافحتها قائلة: “كنت ناويالك على نية مش كويسة، لكن بمجرد ما شفت رقصك المختلف اكتشفت إنك إضافة”. وانتهى الأمر بأن سمحت “الست” لـسهير ذكي بأن ترقص على ما تُحب من أغانيها.  

 

وعدا عن موهبتها في الرقص، كان السجال حول حضورها واندفاع بعض الزعماء لمتابعتها، وتحميلها أعباء ثقيلة. فيكتب بعض المتزمتين أنه “على أنغام الموسيقى الصاخبة، والحركات الشهوانية التي كانت تؤديها سهير زكي، وبعد أن لعبت الخمر برؤوس الطيارين، انقض سلاح الجو الإسرائيلي على سلاح الجو المصري ودمره على أرضه بالكامل”، والقصد هنا حرب 5 حزيران 1967. و”عند فخذي سهير زكي خسرنا حزيران”. ويقول العميل الإسرائيلي باروخ نادل في كتابه الشهير “وتحطمت الطائرات عند الفجر” إنه زود القواعد الجوية المصرية ليلة ضرب المطارات بالخمور والفتيات والراقصات وانه بقي ساهرا مع قائد سلاح الجو صدقي محمود حتى الخامسة فجراً وكانت بصحبتهم الراقصة سهير زكي وفتاة أخرى اسمها سميرة.. وأمجاد! بمعنى آخر اتهمت سهير زكي لهو العسكر في لياليهم، على نحو ما اتهم صوت أم كلثوم بأنه كان مخدر الأمة وسبب نومها وهزيمتها، ومع ذلك كانت سهير زكي رمزاً لحالة رقص سياسية مهمة في تاريخ مصر.. فهي الراقصة التي رقصت في حفل زواج هدى ابنة جمال عبد الناصر.. ورقصت خلال فرح ابنته الثانية منى، وأصبحت بعد ذلك الراقصة المفضلة لدى أسرة عبد الناصر حسبما جاء في مذكرات السيدة تحية كاظم (زوجة عبد لناصر). وحظيت سهير باهتمام جيهان السادات التي شكلت غطاء حماية لها، نالت إعجاباً كبيراً من السادات وقال لها يومًا: “كما تغني أم كلثوم بصوتها، تغنين أنتِ بجسدكِ”، وحصلت على تقدير شاه إيران، وكان للرئيس التونسي الحبيب بورقيبة نصيبا أيضًا من رقصها، كما ذهبت في زيارة إلى موسكو بناءً على دعوة من الجنرال غريتشكو وزير الدفاع السوفياتي أثناء حكم الرئيس لونيد بريجنيف، وقيل إن الجنرال أغرم بها، وتحول اللقاء بينهما مادة للتخيل الأدبي الرخيص والركيك. في المقلب الآخر، وفي تصريحات لها قالت سهير إنها رقصت أمام ريتشارد نيكسون، الرئيس الأميركي الأسبق، عندما حضر إلى مصر في السبعينيات، وكان من الممنوع في ذلك التوقيت أن تنزل الراقصة من على المسرح في حضور شخصية سياسية، إلا أنها فعلت ذلك لترقص أمام نيكسون والسادات، ومع نزولها، اتجه الحرس ليمنعوها، إلا أن الرئيس الأميركي أشار لهم بالسماح لها بالرقص أمامه، ليقول لها السادات لاحقًا: “أيوه يا سهير رقصتي مع الكتلتين الشرقية والغربية”. أما نيكسون فأطلق عليها لقب “زغاريط” حين علم أن الكلمة تعني الزغاريد التي تترافق عادةً مع البهجة والأفراح. وجاء في مجلة “الشبكة” اللبنانية أن سهير رقصت أمام ضيف مصر والعرب الرئيس ريتشارد نيكسون… كانت المناسبة: حفلة العشاء الرسمي التي أقامها الرئيس السادات تحية لضيفه الكبير. وكان المكان حديقة قصر القبة، فوق مسرح محلى بديكور من الاعمدة الفرعونية، وبوابة معبد قديم وزهور اللوتس طافية فوق ماء النيل، وقالت سهر “هذه ليلة عمري”. وقد قدم سمير صبري سهير زكي قائلا: سيدي الرئيس نيكسون… سادتي الضيوف… عندما زارتنا المغنية الأميركية العظيمة بيرل بيلي، قالت إنها سفيرة الحب للرئيس نيسكون. وعندنا من الفنانين عشرات السفراء. دعني أقدم لكم سفيرة الرقص الشرقي الفنانة سهير زكي.

  

 حدوتة

وعدا عن شهرة سهير زكي في الرقص أمام السياسيين، كانت جزءاً من الحكاية الشعبية “الحدوتة” بسبب شهرتها، ففي كتابه “المثقفون.. وجوه من الذاكرة” يستحضر الروائي سليمان فياض حواراً دار في كواليس إذاعة القاهرة في مبناها العتيق.. بين الناقد الأدبي محمد مندور وبين سهير زكي حين اكتشف دخلها الشهري.. ليضرب كفاً بكف قائلاً: لقد ضَيَّعتُ عمري في الورق والقلم يا سهير. وتحضر إلى الأذهان قصة حدثت في بداية الثمانينيات من القرن الماضي تداولها الناس عن سهير أيضا التي كانت في ذلك الزمن في أوج مجدها. بالتّحديد عام 1982 والحدث داخل مبنى الإذاعة والتلفزيون في القاهرة عند شبّاك توزيع الرواتب، كان حامد جوهر الذي كان يقدّم برنامجاً تلفزيونياً في ذلك الزمن اسمه “عالم البحار”.. وكان قد حصل على جائزة الدولة التقديرية ووسام الاستحقاق من الدرجة الأولى. وقف في “الطابور” بانتظار دوره ليقبض راتبه الذي كان لا يتجاوز 25 جنيهاً، وبعد طول انتظار وتململ دخلت الغرفة امرأة تفيض جمالاً وأنوثة وتضع نظارات سوداء، تجاوزت الدور ووصلت إلى شبّاك الخزنة، فنهض الموظف الصرّاف رحّب بها، وناولها مبلغ “250” جنيهاً، فامتعضت سهير زكي وقالت: “أنا أرقص ربع ساعة بالملاليم دي”!.

علّق كثيرون على الأمر ممن كانوا يقفون في الطابور ومن بينهم ارتفع صوت الدكتور حامد قائلاً: “أنا يا أستاذة أحضر من الإسكندرية، وأجهّز للحلقة قبلها بأيام، وأقرأ الكتب والمراجع، ومدّة الحلقة نصف ساعة، ويعطونني خمسة وعشرين جنيهاً”. فالتفتت إليه سهير زكي وقالت عبارتها المشهورة: “طيب وأنا مالي ما تروح ترقص يا أستاذ”.

  

 وقالت سهير زكي عام 1980 “الحياة بلا رقص كنهر بلا ماء”، وفي بداية التسعينات انسحبت من الحياة الفنية لأنها شعرت – على حد تعبيرها- أن ابنها حمادة بحاجة إليها كأم، وبات ظهورها نادراً وقليلاً، ويوم ظهرت بعد عشرين عاماً على اعتزالها الرقص، وهي تجلس في سهرة خاصة، ولم تستطع أن تمنع نفسها من الرقص حين صدحت الموسيقى.

 

(*) مقاطع من كتاب “العشق السري” صدر عن دار رياض الريس