صدر في السعودية نظام تنفيذ جديد يهدف لتحديث القضاء التنفيذي ورفع كفاءة وشفافية استيفاء الحقوق، عبر إعادة تنظيم محكمة التنفيذ، وتشديد ضبط السندات التنفيذية، وتحقيق توازن أكبر بين الدائن والمدين وتحديد مدة زمنية للمطالبة بالحقوق. اعتمد النظام أدوات أوسع للكشف عن الأموال، واستبدل الحبس التنفيذي…

في سياق التحولات التشريعية المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية – رعاها الله – واستمرارًا لنهج التطوير الشامل لمنظومتها العدلية، صدر نظام التنفيذ الجديد بموجب المرسوم الملكي رقم (م/237) وتاريخ 3-11- 1447هـ ليشكل خطوة تنظيمية بالغة الأهمية في مسار تحديث القضاء التنفيذي، وإعادة بناء آلياته بما يحقق مزيدًا من الكفاءة والعدالة والشفافية.

ويأتي هذا النظام استجابة لحاجة عملية وتنظيمية متجددة، هدفها رفع جودة إجراءات التنفيذ، وتسريع وتيرة استيفاء الحقوق، ومعالجة الإشكالات التي أفرزتها التجربة السابقة، عبر حزمة من التعديلات الجوهرية والأحكام المستحدثة التي تعيد ضبط العلاقة بين أطراف التنفيذ وفق قواعد أكثر دقة وانضباطًا.

كما يُعد النظام امتدادًا طبيعيًا للتطورات التشريعية التي تشهدها المملكة في مختلف القطاعات العدلية، ومواكبًا للتحولات الاقتصادية والمالية، مع إحالة عدد من التفاصيل الإجرائية إلى اللائحة التنفيذية التي ستصدر لاحقًا بقرار من معالي وزير العدل، بما يمنح النظام مرونة تطبيقية وقدرة على التحديث المستمر وفق المتغيرات.

وفيما يلي أبرز ملامح وأحكام نظام التنفيذ الجديد:

أولًا: إعادة تشكيل محكمة التنفيذ:

نص النظام على أن محكمة التنفيذ تتكون من دوائر ابتدائية ودوائر استئناف، أو دوائر ابتدائية فقط، بما يتيح مرونة تنظيمية تتناسب مع طبيعة القضايا وحجمها في كل دائرة قضائية.

ثانيًا: ضبط السندات التنفيذية:

أكد النظام أن التنفيذ الجبري لا يكون إلا بسند تنفيذي يقتضي حقًا معينًا حال الأداء، مع تشديد الضوابط على السندات، ومنها اشتراط تسجيل الكمبيالات وسندات الأمر في المنصات الإلكترونية الوطنية، تعزيزًا للموثوقية وحفظًا للحقوق.

وفي حال كان السند غير واضح في تحقق الالتزام، أجاز النظام التقدم بطلب التنفيذ مرفقًا بتقرير من جهة خبرة معتمدة من الوزارة، وفق ضوابط المادة (7).

ثالثًا: التوازن بين أطراف التنفيذ:

أجاز النظام للمدين أن يتقدم بطلب إلزام الدائن باستيفاء حقه إذا امتنع عن ذلك، في خطوة تعكس مبدأ التوازن في العلاقة التنفيذية.

كما قرر عدم قبول طلب التنفيذ إذا مضى على تاريخ الاستحقاق أكثر من عشر سنوات، تحقيقًا للاستقرار النظامي ومنعًا لتراكم المطالبات القديمة.

رابعًا: تعزيز أدوات الكشف عن الأموال:

منح النظام المحكمة صلاحيات موسعة عند وجود قرائن على إخفاء الأموال أو تهريبها، تشمل إلزام أطراف متعددة بالإفصاح، من وكلاء، ومتعاقدين، ومدينين، ومشتبه في محاباتهم، بما يعزز الشفافية ويحد من التحايل على إجراءات التنفيذ.

خامسًا: الجزاءات البديلة وإلغاء الحبس التنفيذي:

استبدل النظام الحبس التنفيذي في الأموال بغرامة مالية يومية لا تتجاوز خمسة آلاف ريال، تؤول إلى خزينة الدولة، بما يعكس توجهًا حديثًا نحو البدائل المالية بدلًا من العقوبات المقيدة للحرية.

كما حدد مدة منع السفر بثلاث سنوات قابلة للتمديد إلى ست سنوات كحد أقصى، وفق ضوابط محددة.

سادسًا: الشفافية الرقمية وتمكين طالب التنفيذ:

أجاز النظام لطالب التنفيذ الاطلاع على البيانات والمعلومات المتعلقة بأموال المنفذ ضده، في خطوة تعزز الشفافية الرقمية وتسهم في تسريع إجراءات التنفيذ.

سابعًا: حماية التعاملات من التصرفات الضارة:

أقر النظام حق رفع دعوى إبطال التصرفات المالية إذا ثبت أن المنفذ ضده قام بنقل أو تهريب أمواله بعد إخطاره بطلب التنفيذ، حمايةً لحقوق الدائنين من الإضرار المتعمد.

ثامنًا: تنظيم الحجز والاستثناءات الاجتماعية:

حدد النظام مقدار الحجز على المعاش التقاعدي للمدني والعسكري، ومنع الحجز على الإعانات الحكومية، مراعاةً للبعد الاجتماعي والإنساني.

كما أتاح للمنفذ ضده بيع أمواله طوعًا بما يحقق مصلحة التنفيذ ويقلل من الإجراءات الجبرية.

تاسعًا: انتهاء طلب التنفيذ والمنازعات:

نظم النظام حالات انتهاء طلب التنفيذ، ومنها عدم وجود أموال للمنفذ ضده، أو استنفاد الإجراءات النظامية، أو تعذر التنفيذ.

كما فتح المجال لتقديم منازعات التنفيذ والتظلم من القرارات والأوامر، تعزيزًا لضمانات العدالة الإجرائية.

حيث يمثل نظام التنفيذ الجديد نقلة نوعية في تطوير العدالة التنفيذية في المملكة، حيث يجمع بين الحزم في استيفاء الحقوق، والمرونة في الإجراءات، والتوسع في الأدوات التنظيمية والتقنية، بما يعزز ثقة المتعاملين في القضاء، ويواكب مستهدفات التحول العدلي ضمن رؤية المملكة 2030.

ومن المتوقع أن تكشف اللائحة التنفيذية المرتقبة عن مزيد من التفاصيل التطبيقية التي ستزيد من وضوح هذا النظام وفاعليته في الواقع العملي.