في 19 مارس/آذار 2026، توجه فريق من قناة “روسيا اليوم” إلى جسر الكنايات  فوق نهر الليطاني في جنوب لبنان لتوثيق آثار غارة إسرائيلية أصابته في اليوم السابق بتدمير جزئي. وبينما كان المراسل البريطاني ستيف سويني يقدّم تقريره أمام الكاميرا، ضرب صاروخ إسرائيلي ثانٍ الجسر على بُعد أمتار قليلة منه. أصيب سويني والمصوّر علي رضا بشظايا، فيما دُمّر الجسر كليا. لم يكن هذا الاستهداف عشوائيا ولا لحظيا، بل كان حلقة في سلسلة بدأت قبلها بسبعة أيام من التخوم الشرقية للنهر، وانتهت بتدمير وإغلاق تسعة جسور ومعابر حيوية على امتداده.

تكشف الوقائع والبيانات الفضائية والميدانية التي جمعتها وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة في هذا التحقيق أن ما قدمته تل أبيب باعتباره ردّ فعل على إطلاق حزب الله للصواريخ في 2 مارس/آذار 2026 كان في جوهره تنفيذا لخطة معدة مسبقا بدأ التدريب على مراحلها الأخيرة قبل أشهر من الحرب وأثناء الهدنة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ظهرت ملامح الخطة في تسريبات صحفية قبل أن توثق تفاصيلها صور الأقمار الصناعية، من تدريب الوحدات الإسرائيلية ذاتها التي ستُقاتل في لبنان في منشأة بُنيت على أنقاض قرية سورية مهجرة في الجولان السوري المحتل، ثم عزل جنوب نهر الليطاني بتدمير جسوره، فالتقدم البري البطيء المدروس وتدمير ما يُسيطَر عليه، فيما يبدو نسخة “محسّنة” من نموذج غزة يتم تطبيقها شمالاً بوتيرة أسرع وخسائر أقل.

“ما قدمته تل أبيب باعتباره ردّ فعل على إطلاق حزب الله للصواريخ في 2 مارس/آذار 2026 كان في جوهره تنفيذا لخطة معدة مسبقا”

فبين وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 واندلاع القتال مجددا، لم تكن الهدنة سوى غطاء، فرغم توقف الحزب  عن عملياته، واصلت إسرائيل انتهاكاتها بشكل يومي عبر عمليات القصف الممنهجة والاغتيال ضد كوادر الحزب وكل من تتهمهم إسرائيل بالوقوف خلف استهداف قواتها. أما خلف الحدود مع جنوب لبنان، فلم تتوقف قطاعات الجيش الاسرائيلي عن التدرب على ما ستفعله حين يحين الوقت.

كيف أجرينا هذا التحقيق

اعتمد هذا التحقيق على عدة مسارات في جمع المعلومات والتحقق منها وترتيبها وفق السياق الزمني للأحداث مع تحليلها لبناء صورة تقترب من الحقيقة، وقد كانت المقاطع المصورة التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الصحفيين أو مجموعات التليغرام اللبنانية أو من قبل الإعلام الحربي لحزب الله وحتى من قبل الجيش الإسرائيلي، أثر كبير في استكمال بناء صورة الأحداث من على الأرض.

أيضاً قمنا بتحليل صور الأقمار الصناعية من ثلاثة مصادر: صور “غوغل إيرث” الأرشيفية لتتبّع التطور الزمني لمنشأة زعورة، وصور من “بلانت لابس” للمقارنة بين سبتمبر/أيلول 2024 وسبتمبر/أيلول 2025، وبيانات القمر الراداري “سينتنيل -1″ (Sentinel-1) لرصد تدمير المباني.

وقد استُخدمت صور الرادار في هذا السياق لأن الإجراء الأمريكي المعروف بـ”تعديل كايل-بينغامان” يفرض قيودًا على نشر وتوفير صور الأقمار الصناعية البصرية عالية الدقة لمنطقة الشرق الأوسط، بما يشمل لبنان، بحجة اعتبارات أمنية. ونتيجة لذلك، تصبح الصور الرادارية التي لا تخضع لنفس القيود وتستطيع الرصد في مختلف الظروف الجوية -رغم ضعف دقتها في معظم الأحيان- خيارًا أساسيًا لتعويض هذا النقص في البيانات البصرية.

“يفرض تعديل كايل-بينغامان قيودا على نشر وتوفير صور الأقمار الصناعية عالية الدقة لمنطقة الشرق الأوسط، بما يشمل لبنان”

استندنا كذلك إلى المصادر الرسمية الإسرائيلية من بيانات موقع وزارة الدفاع ووزارة الخارجية الإسرائيلية ومنشورات الجيش الإسرائيلي على منصاته وتقارير صحف يديعوت أحرونوت وغيرها من الصحف العبرية، إضافة إلى مقاطع فيديو مفتوحة المصدر جرى التحقق منها ومطابقتها مع البيانات الجغرافية عبر صور غوغل إيرث وبلانت لابس. مع التأكيد على أن التعامل مع هذه المواد تم بحذر منهجي، نظرًا لرجحان تأثرها بسياقات إعلامية أو نفسية مرتبطة بالعمليات العسكرية الإسرائيلية وهو ما استدعى التحقق المتقاطع مع مصادر وبيانات مستقلة قبل اعتماد أي استنتاجات.

وكذلك وثقت وحدة التحقيقات الرقمية استهداف تسعة جسور على نهر الليطاني، ستة منها تأكّد تدميرها كليا، وأحدها تدمر بشكل جزئي. ولم نتمكّن من التحقق المستقل من حجم الأضرار في الجسرين السابع والثامن اللذين أعلن الجيش الإسرائيلي استهدافهما في 7 أبريل/نيسان، نظراً لغياب صور مفتوحة المصدر بعد القصف.

خريطة نهر الليطاني - لبنانخريطة نهر الليطاني – لبنان (الجزيرة)إسرائيل تبني قرية لبنانية في الجولان السوري

على بُعد كيلومترات قليلة من خط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان المحتل، عند الإحداثيات (33°12′59.83″N 35°42′41.16″E)، ترقد أنقاض قرية زعورة السورية المهجورة. هذه القرية التي كانت جزءا من النسيج الاجتماعي السوري قبل احتلالها عام 1967، تُركت للنسيان لعقود.

لكن في السابع من سبتمبر/أيلول 2025، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية رسمياً عن افتتاح منشأة تدريب جديدة في هذا الموقع، صُمّمت، وفق النص الرسمي، على شكل “قرية نموذجية في جنوب لبنان”، لتسمح للقوات الإسرائيلية بإجراء تدريبات بأحجام مختلفة من فرق المشاة تصل إلى عدة مجموعات قتالية في وقت واحد.

المقارنة بين سبتمبر/أيلول 2024 و2025 لقرية زعورة في الجولان السوري المحتل (الجزيرة)المقارنة بين صور 2024 و2025 لقرية زعورة في الجولان السوري المحتل (الجزيرة)

بُنيت المنشأة هندسياً لتشمل مبان بارتفاعات متدرّجة من منازل أرضية إلى عمارات بأربعة طوابق، وشبكة أنفاق واسعة، ومحاور قتالية معقدة، ومناطق تحاكي الأنقاض، وهي بيئة مصمّمة بدقة لمحاكاة الاشتباك في قرى جنوب لبنان. وكجزء مما وصفه الجيش الإسرائيلي بـ”استخلاص الدروس من العامين الماضيين”، لتدريب مقاتلي الجيش على دخول مناطق تعرّضت مسبقا للقصف ضمن سياسة الأرض المحروقة.

وبالبحث عن موقع المنشأة تحديدا، كشفت مقالات في صحيفة يديعوت أحرونوت وموقع كولا (Kula) أنها بُنيت على أنقاض القرية السورية المهجورة زعورة في شمال هضبة الجولان المحتل. كما أشارت التقارير إلى أن بناءها جاء بعد سنوات من الخطط والتأخيرات، حيث كان هناك مشروع سابق يُدعى “سنير” في نفس المكان تم تجميده سابقا.

الذاكرة البصرية للمنشأة الإسرائيلية في زعورة

يكشف تحليل وحدة التحقيقات الرقمية لصور الأقمار الصناعية الأرشيفية عبر غوغل إيرث أن أنقاض زعورة ظلّت مهمَلة تماماً حتى أكتوبر/تشرين الأول 2011. كان أول تغيير رُصد في مارس/آذار 2013 مع ظهور طرق ترابية جديدة تتّصل بالموقع.

بحلول أبريل/نيسان ومايو/أيار 2017 ظهرت منشآت إدارية مؤقتة وآليات هندسية، ثم اختفت. عادت الآليات في أكتوبر/تشرين الأول 2021 لتغيب مجددا خلال أسابيع. وفي أغسطس/آب 2022 بدأت أعمال هندسية أكثر انتظاما تظهر تعبيد طرق داخلية، وتحديد محاور بشكل واضح بحلول أغسطس/آب 2023.

مراحل تطور المنشأة الإسرائيلية في زعورة بين 2013 و 2024 (الجزيرة)مراحل تطور المنشأة الإسرائيلية في زعورة بين 2013 و 2024 (الجزيرة)

لكن التحوّل الأكبر حدث خلال الاثني عشر شهرا بين سبتمبر/أيلول 2024 وسبتمبر/أيلول 2025. إذ توصلت وحدة التحقيقات الرقمية من خلال مقارنة صور بلانت لابس للتاريخين ذاتهما، مع تثبيت الفترة الموسمية لاستبعاد التغيّرات المناخية في التربة، إلى رصد تطوير هندسي هائل حوّل بقايا القرية المهجورة يشير إلى مُجمّع تدريب عسكري متكامل يحمل اسم “المجمّع التدريبي الشمالي” على خرائط بلانت لابس.

وبحسب تقرير يديعوت أحرونوت العبرية فإن منشأة التدريب التي أسمتها “لبنان الصغيرة” بُنيت خلال عامين “على حطام قرية زعورة”. ويشرح التقرير أن منشأة التدريب تحاكي “قرية شيعية في جنوب لبنان” مع مبانٍ متعددة الطوابق، وأنفاق، وشبكة شوارع ضيقة.

التطوير الهندسي الإسرائيلي حوّل بقايا القرية المهجورة إلى مُجمّع تدريب عسكري متكامل يحمل اسم "المجمّع التدريبي الشمالي (الجزيرة/بلانت)التطوير الهندسي الإسرائيلي حوّل بقايا القرية المهجورة إلى مُجمّع تدريب عسكري متكامل يحمل اسم “المجمّع التدريبي الشمالي (الجزيرة/بلانت)

وفق ما نشره موقع الجيش الإسرائيلي بتاريخ 7 سبتمبر/أيلول 2025، تلقّت ثلاث مجموعات قتالية رئيسية التدريب في المنشأة هي اللواء السابع المدرّع التابع للفرقة 36، واللواء 401 المدرّع التابع للفرقة 162، وقوة الكوماندوز التابعة للفرقة 98. هدف التمرين كان -وفق النص الرسمي- “محاكاة قتال تكتيكي للسيطرة على المنشآت باستخدام قوات مدمجة من المشاة والمدرعات”.

وفي مقال تفصيلي لاحق بتاريخ 9 سبتمبر/أيلول 2025، كشف الإسرائيليون عن تدريب لواء الكوماندوز (الفرقة 98) على سيناريو محدد: “احتلال مُجمّع في قلب ريف لبنان” عبر هجوم متزامن على الأطراف والطرق الرئيسية، مع مراقبة القناصة عن كثب لتحديد التهديدات، والتنسيق المستمر بين قادة ناقلات الجنود المدرعة وقادة سرايا الكوماندوز بهدف “تطهير المنطقة” فوق وتحت الأرض.

الآليات الهندسية الإسرائيلية والجنود في بيئة المحاكاة القتالية (الجزيرة - صور الجيش الإسرائيلي)الآليات الهندسية الإسرائيلية والجنود في بيئة المحاكاة القتالية (الجزيرة – صور الجيش الإسرائيلي)ما بعد زعورة: الجيش الإسرائيلي يصعّد استعداداته

لم يتوقّف الإعداد عند منشأة زعورة. ففي 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن المتحدث السابق باسم الجيش الإسرائيلي عن اكتمال تمرين الفرقة 91 لمدة خمسة أيام على طول الحدود اللبنانية، فيما وُصف بأنه “الأكبر والأوسع منذ بداية الحرب”.

وبحسب الجيش الإسرائيلي، فقد نُفّذ التمرين بالتعاون مع المركز الوطني للتدريب الأرضي، وعمل على تكييف سيناريوهات التدريب مع الوضع القائم في جنوب لبنان تحديداً، وشمل تهيئة القوات لسيناريوهات دفاعية متطرّفة والتحوّل السريع إلى عمليات هجومية، واختبار جاهزية استدعاء قوات الاحتياط، والتنسيق بين القوات البرية وسلاح الجو والبحرية، وتدريب وحدات اللوجستيات والطب على إجلاء الجرحى تحت النار.

وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2025 تفقّد رئيس الأركان الجنرال إيال زامير منطقة الفرقة 210 في الجولان خلال تمرين مفاجئ للتعامل مع حادث طارئ، وأوصى بالحفاظ على الجاهزية العملياتية المتزايدة.

ثم في 2 فبراير/شباط 2026، أي قبل أربعة أسابيع فقط من بدء الهجوم على إيران في عمليتي درع يهوذا الإسرائيلية، والغضب الملحمي الأمريكية، عادت منشأة زعورة للظهور مع تدريب لواء ناحال لمدة أسبوعين، شمل التدريب أكثر من 160 جنديا تدربوا على المشي لمسافة خمسة كيلومترات، والسيطرة على أهداف، وتطهير مبانٍ، وإبطال متفجرات، ومحاكاة قتال في مناطق حرجة، وكيفية الانتقال بين المناطق المفتوحة والمبنية.

تدريب جنود لواء ناحال في فبراير/شباط 2026 في قرية زعورة المحتلة (الجزيرة - صور الجيش الإسرائيلي)تدريب جنود لواء ناحال في فبراير/شباط 2026 في قرية زعورة المحتلة (الجزيرة – صور الجيش الإسرائيلي)

وتُظهر الأدلة المجتمعة أن الوحدات التي تدرّبت في زعورة هي التي أُعلن لاحقاً -في تقارير متفرقة- عن مشاركتها في هجمات مارس/آذار 2026 في لبنان.

“إسرائيل كانت تُعدّ قواتها لسيناريو قتالي تفصيلي في جنوب لبنان، خلال الهدنة، وحتى قبل أن يُطلق حزب الله صاروخه الأول”

فمثلا تُظهر بيانات الخسائر والبيانات العملياتية الإسرائيلية أن هذه الوحدات بعينها شاركت في عمليات مارس/آذار–أبريل/نيسان 2026 في جنوب لبنان. الفرقة 98 بألويتها المظلّي والكوماندوز واللواء السابع المدرّع نُشرت رسمياً في 7 أبريل/نيسان وقادت معركة بنت جبيل. ولاحقا ظهر اللواء 401 في قوائم الخسائر بسقوط جندي من الكتيبة 9 في 29 مارس/آذار. والفرقة 36 التي يتبعها اللواء السابع عملت في القطاع الشرقي منذ بداية العملية البرية.

ويمكن الاستنتاج من خلال هذه الأدلة أن إسرائيل كانت تُعدّ قواتها لسيناريو قتالي تفصيلي في جنوب لبنان، خلال الهدنة، وحتى قبل أن يُطلق حزب الله صاروخه الأول مع بدء الحرب على إيران.

إسرائيل تفصل الجنوب بالكامل

شهدت الحرب الإسرائيلية الحالية نمطاً لم يحدث بهذا الشكل الممنهج في جولة 2024 عبر الاستهداف المنظّم لجسور نهر الليطاني. يمتد النهر على مسافة تتراوح بين 20 إلى 30 كيلومتراً شمال الحدود اللبنانية مع إسرائيل، ويشكّل الحاجز الطبيعي الأبرز الذي يفصل جنوب لبنان عن عمقه. وهو ما يعني أن تدمير معابره سيحوّل الجنوب إلى جيب معزول يستطيع فيه الجيش الإسرائيلي العمل بحرية لا يستطيعها الجيش اللبناني نفسه.

قامت وحدة التحقيقات الرقمية بحصر تدمير تسعة جسور على امتداد نهر الليطاني عبر البيانات مفتوحة المصدر ومطابقتها مع مقاطع مصوّرة للجسور أثناء استهدافها أو بعده، ثم مطابقة ذلك مع الصور الأرشيفية عبر غوغل إيرث وبلانت لابس.

بدأ تسلسل التدمير الإسرائيلي من الشرق. ففي 12 مارس/آذار قُصف جسر ثانوي في وادي حجير فوق رافد للنهر ودُمّر بالكامل في أول إشارة إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يكتفي بالضربات الجوية على المواقع التي يدّعي أنها لحزب الله، بل ينفّذ تدميرًا يخضع لهندسة جغرافية ممنهجة.

جسر وادي حجير بعد تدميره (الجزيرة)جسر وادي حجير بعد تدميره (الجزيرة)

 

في اليوم التالي، 13 مارس/آذار، سقط جسر الزرارية الرئيسي، وهو المعبر المركزي الذي يربط صور وبنت جبيل والنبطية والزهراني، تحت قصف نشرته حسابات الجيش الإسرائيلي نفسه. فقدان الزرارية كان كفيلا بقطع الشريان الذي يعتمد عليه عشرات آلاف اللبنانيين في تنقّلهم اليومي.

 جسر الزرارية بعد تدميره (الجزيرة)جسر الزرارية بعد تدميره (الجزيرة)

ثم في 18 مارس/آذار تحرّك الاستهداف غرباً على جبهتين متزامنتين. أولاً جسر الكنايات، وهو جسر ثانوي يقع على مسافة قريبة من جسر القاسمية الساحلي الرئيسي. تعرّض الجسر لقصف أوّلي أحدث تدميراً جزئياً، ثم في اليوم التالي، وأثناء تصوير فريق قناة “روسيا اليوم” لآثار تلك الغارة، ضرب صاروخ إسرائيلي ثانٍ الموقع ودمّر الجسر كليا، وأُصيب المراسل البريطاني الذي ذُكر في مطلع التحقيق.

 

جسر الكنايات بعد استهدافه (الجزيرة)جسر الكنايات بعد استهدافه (الجزيرة)

وبعد أيام، في 22 مارس/آذار قُصف جسر الطريق الساحلي الرئيسي الذي يربط صور بصيدا وبيروت، وهو نقطة العبور اليومية لآلاف المدنيين، مرتين في يوم واحد حتى دُمّر كلياً.

وفي 23–24 مارس/آذار قصف، ثم دمّر الجيش الإسرائيلي كليّا جسر الدلافة الرئيسي الذي يربط حاصبيا بالبقاع الغربي.

جسر الدلافة بعد استهدافه وتدميره من قبل الجيش الإسرائيلي (الجزيرة)جسر الدلافة بعد استهدافه وتدميره من قبل الجيش الإسرائيلي (الجزيرة)

 

لاحقًا، في 7 أبريل/نيسان أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف جسرين إضافيين في أقصى الشرق، ولم يمكن تحديد الأضرار بدقة.

صور الجيش الإسرائيلي لاستهداف جسرين على نهر الليطاني في الشرق (الجزيرة)صور الجيش الإسرائيلي لاستهداف جسرين على نهر الليطاني في الشرق (الجزيرة)

 

أما الجسر التاسع والأخير، فهو جسر القاسمية الذي دمره الجيش الإسرائيلي على مراحل بين 8 و16 أبريل/نيسان، وهو أهم المعابر الساحلية بين صور وصيدا.

جسر القاسمية، أهم الجسور الساحلية في جنوب لبنان، بعد تدميره (الجزيرة)جسر القاسمية، أهم الجسور الساحلية في جنوب لبنان، بعد تدميره (الجزيرة)

من أصل تسعة جسور وثّقت وحدة التحقيقات الرقمية استهدافها، تأكد تدمير ستة منها كليا، وواحد تعرّض لتدمير جزئي، واثنان لم نستطع تحديد الأضرار الناجمة عن قصفهما بشكل يقيني. الخريطة الناتجة تُظهر أن الاستهداف بدأ من الأطراف الشرقية وتحرّك غرباً نحو الساحل، حتى أُغلق كل مخرج رئيسي من جنوب الليطاني.

خريطة استهداف الجيش الإسرائيلي للجسور التي تربط جنوب لبنان ببقية البلاد (الجزيرة)خريطة استهداف الجيش الإسرائيلي للجسور التي تربط جنوب لبنان ببقية البلاد (الجزيرة)

لكن الكشف الأبرز في هذا الجانب من التحقيق هو الجسر الذي لم يدمره الإسرائيليون. فقد بقي جسر الخردلي سليما بينما دُمّر ما حوله. لا يمكننا القول إن الجيش الإسرائيلي تجاهله تمامّا، فقد قصف الطريق الخارج منه باتجاه النبطية فقط، لكنه أبقاه قابلاً للاستخدام عملياً في اتجاه واحد، من الشمال نحو الجنوب. يشير ذلك إلى احتمال احتفاظ القوات بهذا المعبر لتطوير هجومها مستقبلاً باتجاه النبطية أو للالتفاف نحو قرى شمال النهر. دمّرت إسرائيل ما لا تحتاجه، وحافظت على ما قد تستخدمه، وهو ما يؤكد تنفيذ التدمير وفق خطة هندسية جغرافية محسوبة وليس بطريقة عشوائية.

المنطق وراء تدمير الجسور

على المستوى المدني، أرسل استهداف وتدمير الجسور رسالة إلى سكان جنوب الليطاني مفادها أن العزل جدّي وأن البقاء يعني الحصار تحت النيران الإسرائيلية. وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تجاوز عدد النازحين 1.2 مليون شخص بحلول 19 مارس/آذار 2026، أي ما يقارب 20% من سكان لبنان. غطّت أوامر الإخلاء الإسرائيلية نحو 1,470 كيلومتراً مربعاً، أي 14% من مساحة لبنان.

وقد أسهم العمق الجغرافي اللبناني في تسريع النزوح. فرغم صغر مساحة لبنان، يمتلك البلد عمقا نسبيا يسمح بانسحاب السكان شمالاً، حيث وفّرت الحواضن الشعبية ملاذا نسبياً وهو ما يختلف جذرياً عن الحال في غزة حيث يبقى النزوح والتهجير الإسرائيلي حركة داخل سجن مغلق. هذا الفارق يعني أن إسرائيل استفادت عملياتيا من اتساع العمق اللبناني، حيث قلّل إخلاء الجنوب من تعقيدات التعامل مع أعداد من المدنيين، لكنه يعني أيضاً أن فصل الجنوب أو عزله لا يمكن أن يكون نهائيًا، فاللبنانيون يعودون إلى الجنوب حتى قبل أن تعود الجسور!

“أرسل استهداف وتدمير الجسور رسالة إلى سكان جنوب الليطاني مفادها أن العزل جدّي وأن البقاء يعني الحصار تحت النيران الإسرائيلية”

وعلى المستوى العسكري، سعى الجيش الإسرائيلي إلى تطبيق مبدأ “عزل ساحة المعركة” عبر قطع خطوط إمداد حزب الله. وقد ساهم ذلك في إبطاء حركة التعزيزات وإجبارها على طرق وعرة أكثر عرضة للرصد. غير أن الفصل الإسرائيلي لا يمكن أن يكون كاملًا أو نهائيًا، فنهر الليطاني ليس حاجزاً واسعاً في معظم أجزائه ويمكن عبوره بقوارب أو جسور مؤقتة أو حتى سيارات مجهزة.

والأهم أن حزب الله تعامل مع هذا العزل عن طريق تحريك مجموعات صغيرة خفيفة الحركة تستغلّ الطبيعة الوعرة، لتنفيذ عمليات إغارة وكمائن حرب عصابات، وبمسيّرات تُدار عبر الألياف الضوئية لا تحتاج إشارة لاسلكية قابلة للتشويش. لذلك يمكن القول إن تدمير الجسور أبطأ الحزب لكنه لم يوقفه.

فضلًا عن ذلك، يخضع استهداف الجسور في النزاعات المسلحة لمبدأي الضرورة العسكرية والتناسب في القانون الدولي الإنساني، حتى لو اعتُبرت أهدافاً مزدوجة الاستخدام. وفي هذا السياق، ترى منظمة هيومن رايتس ووتش أن تدمير جسر القاسمية -بوصفه معبراً رئيسياً للمدنيين والمساعدات- والجسور المدنية بشكل عام قد يشكل جريمة حرب.

نموذج غزة ينتقل شمالاً

في 5 مارس/آذار 2025، تولّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الإسرائيلي. وتعتمد استراتيجيته على المناورة البرية الحاسمة عبر التقدم البطيء المدروس للسيطرة على الأرض، مع ثلاث ركائز: تقليل خسائر جنوده عبر التنسيق بين المشاة والمدرعات والدعم الجوي، والتمسّك بالأرض بعد تمشيطها لتدمير الأنفاق، ثم تدمير المناطق السكنية المُسيطَر عليها بصورة ممنهجة لإزالة أي غطاء. هذا النموذج تجلّى في بيت حانون وخان يونس ورفح في غزة.

وبعد عام بالضبط، في مارس/آذار 2026، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس بأن العمليات في جنوب لبنان ستسير وفق نموذج ما جرى في رفح وبيت حانون، من تدمير المنازل في القرى الحدودية لإنشاء منطقة أمنية خالية، مع الحفاظ على السيطرة على مساحة تمتد حتى نهر الليطاني. ودعم هذا التصريح بإقامة “الخط الأصفر”، وهو مصطلح عسكري مُستنسخ من حرب الإبادة في غزة يقضي بمنع عودة السكان إلى نحو 55 قرية وبلدة في مساحة تصل إلى 570 كيلومتراً مربعاً.

تحليل لمستويات الدمار جنوب نهر الليطاني (الجزيرة - Sentinel-1)تحليل لمستويات الدمار جنوب نهر الليطاني (الجزيرة – سنتنيل -1)

يُؤكّد تحليل وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة لصور القمر الراداري “سنتنيل -1” خلال الفترة من 7 مارس/آذار إلى 26 أبريل/نيسان 2026 أن تدمير المباني يتركّز بنسبه الأعلى جنوب الخط الأصفر. ويمكن تمييز نمط الهدم في القرى غير المسيحية جنوب هذا الخط بوضوح، وهو نفس النمط الذي شهدته غزة وقرى الصف الأول في لبنان بعد دخول الجيش الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 2024.

عيناتا وبنت جبيل في 5 مارس (على اليسار) قبل التدمير وفي 29 أبريل بعد التدمير (الجزيرة - Sentinel-2)عيناتا وبنت جبيل في 5 مارس (على اليسار) قبل التدمير وفي 29 أبريل بعد التدمير (الجزيرة – سنتنيل)

 

لكن الجديد أنه بخلاف جولات الحرب السابقة، امتدت سياسة التدمير والإخلاء في الحرب الحالية جزئيا إلى قرى مسيحية جنوبية بقيت تاريخياً خارج الاصطفاف العسكري المباشر بين إسرائيل وحزب الله. يشير ذلك إلى أن منطق إنشاء منطقة عازلة جنوب الليطاني بات العامل الحاكم في العمليات، متقدماً على الاعتبارات “الطائفية” المحلية.

ومع ذلك، تُظهر البيانات الميدانية، وخصوصاً تحليل صور الأقمار الصناعية، أن هذا الامتداد لم يكن متساوياً في شدته، إذ تضرّرت القرى المسيحية جزئياً، ولكن بدرجة أقل بكثير مقارنة بقرى مجاورة دُمّرت بشكل شبه كامل مثل رشاف وبيت ليف وحنين وعيتا الشعب.

التدمير في دبل مقارنة بالقرى المجاورة في 26 أبريل/نيسان 2026 (الجزيرة - Sentinel-1)التدمير في قرية دبل (المسيحية) مقارنة بالقرى المجاورة في 26 أبريل/نيسان 2026 (الجزيرة – سنتنيل)

 

يظهر تحليل الصورة السابقة تدرج نسب التدمير فكلما انتقل اللون على الخريطة إلى الأصفر فإنه يعبر عن مستويات تدمير أعلى، ويمكن تمييز اللون الأصفر ظاهر بشدة في القرى المجاورة لقرية دبل، بينما يبقى اللون الأصفر شاحبا في القرية نفسها، وهو انعكاس لضعف نسب التدمير فيها مقارنة بما حولها.

“امتدت سياسة التدمير والإخلاء في الحرب الحالية جزئيا إلى قرى مسيحية في الجنوب اللبناني”

يذكر أن الإسرائيليين دمروا في قرية دبل ما لا يقل عن اثني عشر منزلاً، كما سيطرت القوات الإسرائيلية على ملعب رياضي جنوب غرب البلدة وجرّفته لاستخدامه كنقطة ارتكاز لوجستية لدعم العمليات باتجاه بنت جبيل. وفي حادثة أثارت جدلاً واسعاً، أظهر مقطع مصور جندياً إسرائيلياً يحطم تمثالاً للمسيح بمطرقة.

وفي القليعة، تبرز حادثة مقتل كاهن القرية الأب بيار الراعي (51 عاماً) في 9 مارس/آذار أثناء محاولته إجلاء مصابين، كواحدة من أكثر الوقائع دلالة على التوجه الإسرائيلي. فقد نشر الجيش الإسرائيلي لاحقاً مقطعاً جوياً زعم أنه يُظهر دخول مسلحين إلى المبنى المستهدف، في محاولة لتبرير الضربة، غير أن تحقيقاً استقصائياً اعتمد على تحديد الموقع الجغرافي (Geolocation) أثبت أن الفيديو الإسرائيلي يعود لبلدة القوزح المجاورة، لا للقليعة.

أما في رميش، فقد اختار عدد من السكان البقاء رغم الحصار والقصف الجزئي، ما يعكس تباينا في أنماط الاستجابة المحلية داخل القرى المسيحية نفسها.

محاور التقدم والخط الأصفر

مع التصعيد البري تقدّم الجيش الإسرائيلي بقوات من خمس فرق (146، 91، 98، 162، 36) بالإضافة إلى الفرقة 210 من الجولان. ووفق تحليل المقاطع المصورة المنشورة وتحديد مواقعها الجغرافية، وثّقت وحدة التحقيقات الرقمية عدة نقاط تقدّم تتراوح أعماقها بين 3 كيلومترات وما يقارب 10 كيلومترات:

النقطة الأولى (28 مارس/ أذار): تقع شمال قرية طيبة بالتماس مع نهر الليطاني (إحداثيات: 33°18’13.82″ N 35°32’11.89″ E)، وقد وصلها جيش الاحتلال بعد 26 يوماً فقط من بدء العمليات العسكرية. وهو معدل تقدم أسرع مما حققه الجيش الإسرائيلي في حرب أكتوبر/تشرين الأول 2024 حيث استغرق الوصول إلى نقاط مماثلة نحو ستة أسابيع.

 

النقطة الثانية (28 مارس/ أذار): قرية البياضة برأس الناقورة (إحداثيات: 33°09’46.02″ N 35°10’49.48″ E). نشر حزب الله فيديو يوثّق استهداف ناقلتي جنود وآلية “همر” في القرية. بتحديد نقطة الاستهداف وقياس عمقها، تبيّن أنها تبعد نحو 8 كيلومترات عن الحدود اللبنانية وما يقارب 12 كيلومتراً عن مدينة صور.

النقطة الثالثة (31 مارس/ أذار): كفركلا في أصبع الجليل (إحداثيات: 33°16’40.04″ N 35°32’57.11″ E). تم توثيق مطقع فيديو يُظهر رفع العلم الإسرائيلي فوق منطقة مرتفعة بالقرب من قاعدة للأمم المتحدة.

النقطة الرابعة (9 أبريل/ نيسان): قرية طيبة (إحداثيات: 33°16’43.40″ N 35°31’28.62″ E). يُظهر تحليل صور الأقمار الصناعية أعمال تجريف هندسي ممنهج في القرية، مما يؤكد وصول القوات الإسرائيلية إليها. تبعد القرية نحو 3.70 كيلومتر عن الحدود، و2.30 كيلومتر عن النقطة الثالثة التي رُصدت السيطرة عليها في 31 مارس/ أذار.

النقطة الخامسة (13 أبريل): صف الهوا شمال بنت جبيل (إحداثيات: 33°07’48.55″ N 35°25’47.51″ E). نشر الجيش الإسرائيلي مقاطع عن تقدّم قواته في المنطقة، وبتحديد الموقع الجغرافي تبيّن تواجدها ضمن منطقة صف الهوا.

النقطة السادسة (14 أبريل): قرية بيت ليف شمال عيتا الشعب (إحداثيات: 33°07’46.36″ N 35°20’23.82″ E). نشر الجيش الإسرائيلي صورا وفيديو لانتشار قواته مع تحديد أنها تابعة للواء ناحال تحت قيادة الفرقة 162.

وفي 15 أبريل/نيسان أعلن الجيش الإسرائيلي عن قيام الفرقة 98 بحصار منطقة بنت جبيل، المدينة ذات الثقل الرمزي التي ألقى فيها حسن نصر الله خطابه الشهير “أوهن من بيت العنكبوت” عام 2000، وهي تقع على عمق خمسة كيلومترات من الحدود.

خريطة نقاط التوغل الإسرائيلي مع عمق محاور التقدم (الجزيرة)خريطة نقاط التوغل الإسرائيلي مع عمق محاور التقدم (الجزيرة)

تُظهر الخريطة أن الجيش الإسرائيلي حقّق بهذا التوغل السيطرة النيرانية على الطريق الطولي الممتد من الناقورة غربا إلى بلدة العديسة شرقا، وهو محور داخلي يمر عبر مناطق مثل الطيري وبيت ليف ويارون وعين إبل وعيتا الشعب. وعند دمج أكثر من طبقة على الخريطة (المدن، الطرق، الجسور المستهدفة، نقاط التوغل)، يتّضح أن تدمير الجسور والتقدم البري يسيران وفق منطق واحد هو عزل جنوب الليطاني مع اختبار إمكانية فصل مدينة صور جزئيا عن صيدا في هذه المرحلة.

خريطة مدمجة تظهر المدن في جنوب لبنان، والجسور المستهدفة بالإضافة إلى نقاط التوغل الإسرائيلية (الجزيرة)خريطة مدمجة تظهر المدن في جنوب لبنان، والجسور المستهدفة بالإضافة إلى نقاط التوغل الإسرائيلية (الجزيرة)

ومع بداية الهدنة المؤقتة أعلن الجيش الإسرائيلي عن “خط أصفر” جديد في جنوب لبنان، مستدعياً إلى المشهد نفس الآلية التي فرضها على سكان قطاع غزة واستحوذ بموجبها على أراضيهم. وعند دمج الخط الأصفر المُعلن مع نقاط التوغل التي وثّقتها وحدة التحقيقات الرقمية، يتّضح توافق كبير بين الاثنين، ما يشير إلى أن التقدم الميداني كان يسعى لتثبيت حدود هذا الخط على الأرض.

خريطة نقاط التوغل الإسرائيلية وكيف تتفق مع الخط الأصفر الذي تسعى إسرائيل لفرضه (الجزيرة)خريطة نقاط التوغل الإسرائيلية وكيف تتفق مع الخط الأصفر الذي تسعى إسرائيل لفرضه (الجزيرة)

ولكن ثمة ملاحظة أخرى يكشفها هذا الخط، فهو يلامس ويسيطر جزئياً على الطريق الواصل بين منطقة النبطية وتبنين الذي شهد تدمير جسره الرئيسي (جسر قعقعية). وهو ما يعزّز التساؤلات حول ما إذا كانت المرحلة الحالية مقدمة لتطوير الهجوم باتجاه النبطية والسيطرة على الطريق الممتد من النبطية إلى تبنين ثم قانا فصور.

حدود الخطة: التضاريس والخسائر والتكيّف

غير أن ما تكشفه البيانات من إعداد وتنفيذ لا يعني بالضرورة أن خطة غزة ستصلح في لبنان على المدى الطويل. هناك ثلاثة متغيّرات ستحكم نتيجة هذه الخطة.

أولاً، التضاريس. فغزة قطاع ضيق لا يتجاوز عرضه 6 إلى 12 كيلومتراً، مسطح نسبياً بمساحة 365 كيلومتراً مربعاً. جنوب لبنان مختلف جذرياً حيث يتكون من جبال وتلال شاهقة، ووديان عميقة، ومنحدرات صخرية وغابات كثيفة، وقرى مبنية على مرتفعات وطرق ضيقة ملتوية. هذه البيئة مثالية للكمائن وحرب العصابات، وتُعيق حركة المدرعات وتحدّ من فعالية السيطرة الجوية. يجعل ذلك تطبيق نموذج غزة في لبنان أكثر تكلفة بكثير.

“جنوب لبنان بيئة مثالية للكمائن وحرب العصابات، وتُعيق حركة المدرعات وتحدّ من فعالية السيطرة الجوية”

ثانياً، ربما تقدم الخسائر الأولية لإغراء لإسرائيل لاستكمال خطتها لكن هذا الإغراء ربما يكون مضللا. تُظهر البيانات المعلنة التي رصدتها وحدة التحقيقات الرقمية عبر مواقع وزارتي الدفاع والخارجية الإسرائيليتين والصحف العبرية انخفاضاً يقارب 75% في أعداد القتلى في حرب مارس/آذار 2026 مقارنة بحرب 2024.

ففي حرب “السهام الشمالية” (أكتوبر–نوفمبر 2024) سقط 56 عسكريا خلال 58 يوما، وتركّزت 70% من الخسائر في أكتوبر/تشرين الأول وحده (42 قتيلاً في 13 يوماً)، وتحمّل لواء جولاني أكثر من ثلثها إلى جانب لواء الكوماندوز واللواء الاحتياطي 228. في المقابل، سقط في حرب مارس/آذار 2026 ثلاثة عشر عسكرياً خلال 47 يوماً قبل الهدنة، مع توزّع أكثر انتظاماً للخسائر بين الوحدات.

يشير هذا الانخفاض إلى أثر التدريب المكثّف والتنسيق المحسّن بين الأسلحة المختلفة، وهو بالضبط ما صُمّمت منشأة زعورة لتحقيقه. كما أن وتيرة التقدم البري كانت أسرع: وصلت القوات إلى مواقع مماثلة خلال أربعة أسابيع مقارنة بستة أسابيع في 2024. لكن 47 يوماً من القتال لا تكفي لاختبار ما سيحدث حين يُصبح الاحتلال طويل الأمد. فقد فرضت تضاريس جنوب لبنان كلفتها تاريخيا على كل قوة حاولت البقاء فيها، ولا يوجد ما يُشير إلى أن هذه المعادلة قد تغيّرت جوهريا.

ثالثاً، قدرة حزب الله على التكيّف. فرغم العزل الجغرافي الذي فرضه الجيش الإسرائيلي على معظم المناطق ضمن خطط سيطرته، استمر الحزب في عملياته ضد القوات الإسرائيلية طوال فترة القتال وحتى بعد إعلان الهدنة، مع تركيز ملحوظ على استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية. غير أن هذه العمليات لم تُسفر عن خسائر مؤثرة بالمقاييس العسكرية، من حيث غياب وتيرة تصاعدية في قتل الأفراد، ولا أعطاب تُخرج أعدادًا كبيرة من الآليات عن الخدمة. التحدي العسكري الحقيقي أمام الحزب ليس في إثبات القدرة على الاستمرار، بل في تحويل هذه العمليات إلى كلفة متصاعدة تُغيّر حسابات الجيش الإسرائيلي.

السؤال المعلّق

يكشف هذا التحقيق أن الحملة العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان لم تكن ارتجالاً ميدانياً بل تنفيذاً لاستعداد بدأ قبل فترة طويلة وعلى مراحل بدءًا من بناء منشأة تدريب على أنقاض قرية سورية مهجرة صُمّمت لمحاكاة بيئة القتال في جنوب لبنان بدقة، إلى تدمير منهجي لتسعة جسور لعزل ساحة المعركة، فتقدّم بري بطيء مدعوم بتدمير ممنهج للمناطق المُسيطَر عليها على نموذج غزة، وصولاً إلى فرض “خط أصفر” يحوّل المنطقة العازلة من إجراء مؤقت إلى واقع ميداني.

“السؤال الذي لا يُجيب عنه هذا التحقيق هو ما تريده إسرائيل فعلا جنوب الليطاني”

لكن السؤال الذي لا يُجيب عنه هذا التحقيق، لأنه لم يُحسَم بعد في الميدان ولا على طاولة المفاوضات، هو ما تريده إسرائيل فعلاً جنوب الليطاني. هل هي منطقة عازلة مؤقتة تتفاوض عليها ضمن تسوية إقليمية أوسع مرتبطة بالملف الإيراني، أم واقع ميداني دائم تفرضه بالقوة كما فعلت في غزة؟

تصريحات كاتس تُشير إلى الخيار الثاني، والخط الأصفر يُشير إلى الخيار الثاني أيضا. واستمرار العمليات بعد الهدنة، حيث سقط عدة جنود إسرائيليون بعد إعلان وقف إطلاق النار، يُشير إلى أن الآلة العسكرية لم تتوقّف فعلياً.

الإجابة ستُحدّد ما إذا كانت الجسور المدمّرة والقرى الخالية والخط الأصفر بداية ترتيب أمني جديد في جنوب لبنان، أم تكراراً لدورة سبق أن شهدها الجنوب: احتلال يطول، ومقاومة تتكيّف، وثمن يتراكم حتى يدرك الاحتلال أن ثمن بقائه أصبح أعلى كثيرًا من ثمن رحيله.