في دهاليز “حي اللبان” بالإسكندرية، حيث سكن الرعب لسنوات طويلة تحت بلاط الغرف المظلمة، برز اسم طفلة صغيرة كانت هي الشاهد والضحية، والناجية والجلاد في آن واحد.
إنها “بديعة” ابنة ريا وسفاحة الإسكندرية الأولى، تلك الطفلة التي لم تكن مجرد شاهدة عيان، بل كانت الخيط الرفيع الذي التف حول رقاب عصابة ريا وسكينة لينهي أسطورة الدم التي هزت مصر في مطلع القرن العشرين.
ماذا قالت بديعة أمام المحققين؟ الشهادة التي أنهت أسطورة ريا وسكينة
بديعة، التي عاشت طفولتها وسط رائحة الموت، لم تكن طفلة عادية؛ فقد شبت عن الطوق وهي ترى النساء يدخلن “بيت الحرمة” ولا يخرجن منه أبداً، كانت هي “عين الحقيقة” التي استعصت على الترويض، ورغم محاولات أمها ريا وخالتها سكينة لإخراسها أو غسل دماغها، إلا أن الفطرة الإنسانية في داخلها كانت أقوى من جبروت العصابة.
وعندما بدأت جثث الضحايا تخرج من تحت الأرض، كانت كلمات بديعة أمام المحققين هي “المسمار الأخير” في نعش الأسرة الأكثر دموية في تاريخ الجريمة المصرية، لكن، ماذا حدث لتلك الطفلة بعد أن نُفذ حكم الإعدام في والديها وخالتها؟ هنا تبدأ التراجيديا الحقيقية التي سقطت من ذاكرة التاريخ الرسمي.
بديعة.. الضحية المنسية في قصة ريا وسكينة ونهايتها الغامضة
تشير بعض الروايات إلى أن بديعة تم إيداعها في “ملجأ العباسي” بالإسكندرية بعد رحيل ذويها، لكنها لم تلبث أن لحقت بهم بعد شهور قليلة.
لم تمت بديعة بيد عشماوي، بل قتلتها الوحدة، والوصمة التي طاردتها كابنة لسفاحة، ويُقال إنها توفيت نتيجة إصابتها بمرض السل داخل الملجأ، لتدفن في صمت دون أن تترك أثراً سوى شهادتها الجريئة، ويقال أنها ماتت قبل والدتها، وتتعدد الروايات في هذا الشأن.
مكانة بديعة في قصة ريا وسكينة تتجاوز كونها “ابنة السفاحة”، فهي ترمز لضياع البراءة في مستنقع الجريمة، كانت هي الشخصية الوحيدة التي تعاطف معها المحققون والجمهور آنذاك، لأنها لم تملك من أمرها شيئاً سوى أن تشاهد وتصمت حتى حانت لحظة الانفجار.
رحلت بديعة، وظل لغز مكان دفنها أو تفاصيل أيامها الأخيرة مادة دسمة للخيال الأدبي والدرامي، لكن الأكيد أنها كانت “الضحية رقم صفر” التي لم تقتلها ريا، بل قتلها المجتمع ومرارة الذكرى.
