على وقع ظرف إقليمي حساس، وصل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام اليوم السبت إلى سوريا حاملا ملفات أمنية وسياسية وقضائية شائكة بين البلدين.
وأمس الجمعة، كشف سلام للجزيرة أن زيارته تهدف لتعزيز العلاقات في مجالات الاقتصاد والنقل والطاقة، مضيفا “سنعمل مع قيادة سوريا على معالجة القضايا العالقة بين البلدين بروح تخدم مصلحة البلدين”.
وأفادت رئاسة الحكومة اللبنانية بأن سلام يرافقه نائبه طارق متري، ووزراء الطاقة جوزيف الصدي، والاقتصاد عامر البساط، والأشغال العامة والنقل فايز رسامني، إضافة إلى مستشارة رئيس الوزراء السفيرة كلود الحجل.
وتُعَد هذه الزيارة الثانية لسلام إلى سوريا، بعد زيارته الأولى في 14 أبريل/نيسان 2025.
ما أهمية الزيارة؟
ووفق ما رشح من معلومات، فيُتوقع أن توضع جملة من القضايا العالقة على أجندة البحث والنقاش دفعة واحدة، من أبرزها المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وأمن الحدود، وملف الموقوفين السوريين، بالإضافة إلى إعادة فتح قضية الصحفي اللبناني المخفي سمير كساب.
كما سيحضر الملف الاقتصادي المتعلق بإعادة تنشيط حركة الصادرات اللبنانية عبر الأراضي السورية، وملفات الطاقة والاتصالات بين البلدين.
وبالنظر إلى ثقل الملفات المطروحة، تكتسب الزيارة الثانية إلى دمشق أهمية قصوى في إعادة تعريف العلاقات بين لبنان وسوريا، بعد سقوط نظام بشار الأسد، نهاية عام 2024.
ومنذ استقلال لبنان عام 1943، وسوريا عام 1946 شابت العلاقة بين البلدين توترات دائمة لأسباب سياسية وأيديولوجية، حيث رأت النخب السورية أن لبنان امتداد طبيعي لسوريا، في حين تبنّى لبنان نظاما سياسيا واقتصاديا مختلفا.
نواف سلام (يسار) يصل إلى سوريا في ثاني زيارة بعد سقوط نظام الأسد (سانا)المفاوضات وقلق دمشق
وفي وقت يستعد فيه لبنان لبدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أمريكية في يومي 14 و15 مايو/أيار الجاري، في سبيل الوصول إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية، تبدي دمشق قلقها من أي مسار تفاوضي منفصل.
ووفق مصادر سورية، تتخوف دمشق من أن يؤدي فصل المسارات التفاوضية إلى منح إسرائيل فرصة للتعامل مع كل جبهة بشكل منفصل.
وأفاد مصدر حكومي لبناني لمنصة “سوريا الآن” بأن رئيس الوزراء اللبناني سيبحث مع الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقائهما، المفاوضات مع إسرائيل وضرورة تنسيق أو توحيد المسار التفاوضي اللبناني السوري.
وفور سقوط نظام بشار الأسد، شنت إسرائيل قصفا عنيفا على سوريا، ووسعّت بعد ذلك احتلالها لجبل الشيخ وللمناطق السورية المتاخمة للحدود اللبنانية، وأعلنت انهيار اتفاقية فض الاشتباك بين الجانبين لعام 1974.
ترسيم الحدود
ويشكل ملف أمن الحدود تحديا كبيرا للبلدين، ويُعتقد أن المباحثات ستتركز على تفعيل التفاهمات بهذا الشأن، لضبط المعابر والحد من تهريب السلاح والبضائع، وغيرها من المشكلات المرتبطة بالملف.
وفي 28 مارس/آذار 2025، أُعلن عن اتفاق أبرمه وزيرا الدفاع اللبناني والسوري في جدة، بعد اشتباكات عنيفة وقعت مطلع الشهر نفسه بين الجيش السوري ومجموعات مرتبطة بحزب الله على الحدود.
لكن الاتفاق آنذاك لم يمثل ترسيما مباشرا للحدود، بل عُد خطوة تمهيدية، إذ جرى الاتفاق على تشكيل لجان قانونية وفنية مشتركة وتفعيل آليات التنسيق لمواجهة التهديدات الأمنية.
أبرز تحديث على الملف
والثلاثاء الماضي، بحث الرئيس اللبناني جوزيف عون، مع رئيس الأركان الخاص لدى رئيس الجمهورية الفرنسية الجنرال فنسنت جيرو، في بيروت، المبادرة التي أطلقتها باريس للمساعدة في ترسيم الحدود البرية بين لبنان وسوريا.
ومنتصف عام 2025، أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية أن بيروت تسلمت من باريس نسخة من وثائق وخرائط الأرشيف الفرنسي لحدوده مع سوريا، في خطوة قد تساعد على ترسيم الحدود البرية بين البلدين.
ويعود ملف ترسيم الحدود بين البلدين إلى عام 1943، إذ بقي الملف من دون تسوية نهائية، واعتمد البلدان على “خط الحدود الإدارية” الذي وضعه الانتداب الفرنسي بين ولايتي بيروت ودمشق، دون أن يُستكمل كترسيم حدود دولية معترف بها.
ما طبيعة المشكلات؟
ورغم محاولات متكررة من جانب الحكومات اللبنانية، خصوصا فيما يتعلّق بضبط الحدود البرية ومكافحة التهريب، فإن الملف ظل عالقا، مما أسهم في تفاقم الإشكاليات الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع ازدياد التوترات المرتبطة بالمعابر غير الشرعية وتدفق اللاجئين السوريين.
وإحدى أبرز المشاكل في ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان هي التداخل الجغرافي والديمغرافي، فهناك قرى وبلدات تقع على الحدود، بعضها يتبع لبنان إداريا لكن سكانها يحملون الجنسية السورية، والعكس صحيح.
وفي منطقة القصر في البقاع اللبناني يعيش سكان يحملون الجنسية السورية ويتنقلون يوميا بين البلدين دون وجود نقاط تفتيش واضحة، وهذا التداخل جعل ترسيم الحدود مسألة حساسة لأن أي تغيير قد يؤثر على حياة السكان المحليين.
كما أن هناك مناطق زراعية متنازعا عليها مثل مزارع شبعا، التي تُعدّ نقطة حساسة بسبب موقعها الإستراتيجي على الحدود مع هضبة الجولان السورية المحتلة، ولأن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني المحتل لم يشمل هذه المنطقة زعما بأنها أرض سورية.
وبسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة وفارق الأسعار بين لبنان وسوريا، نشط تهريب السلع الأساسية على الحدود في الاتجاهين مثل المحروقات والطحين. وخلال الثورة السورية، زادت عمليات التهريب والتنقل غير القانوني، سواء بسبب اللاجئين أو المجموعات المسلحة.
السجناء السوريون
ويبرز ملف السجناء السوريين، الذي يعود بشكل خاص لأعوام الثورة في سوريا وحتى إسقاط نظام الأسد، على أجندة النقاش بوصفه واحدا من المسائل الشائكة بين البلدين.
ووقّع البلدان في فبراير/شباط الماضي اتفاقا لنقل نحو 300 محكوم سوري إلى بلدهم، وجرى تسليم 132 سجينا في السجون اللبنانية ضمن دفعة أولى في مارس/آذار الماضي، في حين ما زالت الدفعة الثانية عالقة.
ووفق تقديرات رسمية، يبلغ عدد الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية نحو 2500، مما يشكل قرابة ثلث إجمالي عدد السجناء في لبنان.
توقيع اتفاق التعاون القضائي بين لبنان وسوريا لنقل نحو 300 محكوم سوري إلى بلدهم في فبراير/شباط الماضي (الحكومة اللبنانية)الصحفي سمير كساب
وبحسب وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية، فسيثير طارق متري نائب رئيس الحكومة قضية الصحفي اللبناني المخفي قسرا سمير كساب.
واختفى المصور اللبناني قرب مدينة حلب بتاريخ 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 أثناء تغطيته أحداثا في الشمال السوري، ولم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عن اختطاف كساب والفريق المرافق له.
آفاق اقتصادية
وبعد سقوط نظام الأسد، شهدت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين لبنان وسوريا تحولات جذرية، فتحت الباب أمام إعادة صياغة هذه العلاقات على أسس جديدة.
وهذه العلاقة، وفق خبراء، تحتاج لإعادة نظر عميقة في التفاهمات والاتفاقيات الاقتصادية بين الجانبين، وتطالب الهيئات الاقتصادية اللبنانية بتعديل هذه الاتفاقيات لتكون أكثر توازنا، خاصة في ظل التغيرات الاقتصادية في سوريا بعد النظام السابق ورفع العقوبات الأمريكية والأوروبية.
