لماذا يدفع ضيوف الرحمن ثمن أخطاء بعثة حجاج السودان؟
كتب/ عبد اللطيف السيدح
وصل يوم السبت 1447/11/23 هجرية حجاج ولاية كسلا قادمين من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة بعد ساعات طويلة من السفر والإنهاك، وهم يستعدون لأداء طواف القدوم والعمرة كمتمتعين، في لحظة كان يفترض أن تكون مفعمة بالسكينة والطمأنينة، فإذا بهم يصطدمون بواقع مختلف تماما، عنوانه الفوضى وسوء الترتيب وغياب الجاهزية التي ظلت بعثة الحج السودانية تتحدث عنها منذ أشهر.
صدمة لحجاج السودان.. 3000 يفقدون فرصة الحج بعد إتمام الإجراءات
لم يكن التعب وحده ما أثقل الحجاج، بل الإحساس المرير بأنهم تركوا يواجهون أخطاء إدارية وتنظيمية لا ذنب لهم فيها، رغم أنهم دفعوا كامل استحقاقات الحج ، وانتظروا موسما مختلفا بعد كل الوعود الرسمية التي بشرت بحج استثنائي وخدمات متكاملة.
الفندق المرفوض
أولى المفاجآت كانت في الفندق المخصص لإقامة حجاج الولاية بمخطط باخطمة جنوب الحرم، هذا ما اكتشفته البعثة الإدارية فور وصولها قبل وصول الحجاج.
غياب الأسرة المكتملة.نقص الفرش والأثاث.تدني مستوى النظافة.
انتشار الصراصير والحشرات داخل الغرف والممرات، الأمر الذي دفع المسؤولين إلى رفض النزول فيه، في مشهد يكشف حجم الخلل في ملف التعاقدات السكنية الذي يفترض أنه أنجز قبل وقت كاف من وصول الحجاج.
من يتحمل المسؤولية؟
لماذا ظل مسؤولو البعثة يؤكدون اكتمال الاستعدادات بينما الفنادق نفسها غير صالحة للسكن؟ وهل تمت معاينة هذه المساكن فعليا قبل التعاقد؟ أم أن الأمر تم على الورق فقط؟
الأخطر أن الأزمة لم تكن خللا عاديا يمكن تجاوزه، بل أخطر مشكلة تمس حق الحاج السكن الآمن والنظيف والمهيأ للراحة بعد السفر الطويل.
إنقاذ الموقف
ووسط حالة الغضب والارتباك، تدخلت شركة مشارق الماسية لمحاولة احتواء الأزمة، وإنقاذ الحجاج من الكارثة، وتم نقلهم إلى فندق بديل كان مخصصا أصلا لحجاج إيرانيين تعذر وصولهم بسبب الحرب الدائرة في بلادهم.
هذا التدخل هدأ عاصفة الغضب مؤقتا، لكنه في الوقت نفسه كشف أن الأزمة كانت حقيقية وليست مجرد سوء فهم كما قد يحاول البعض تصويرها، فلو كان الفندق الأول مطابقا للمواصفات لما اضطر أحد إلى البحث عن بديل إسعافي في اللحظات الحرجة.
المعاناة مع وجبة الغداء.
بعد كل هذا الرهق جاءت وجبة الغداء لتفتح جرحا جديدا، الوجبة التي قدمت للحجاج في أول يوم لهم بمكة كانت عبارة عن:
ست قطع دجاج مسحب.شوربة عدس.خبز شامي خفيف.قطعة فاكهة.مشروب بارد.
قطعة باسطة قال أصحاب المطبخ أنهم تبرعوا بها للحجاج وليست ضمن المنيو، ثم جاءت المفاجأة الأخرى غالبية الحجاج رفضوا الوجبة، وعادت حبات المسحب والعدس كما هي ، لأن الوجبة ببساطة لم تكن مناسبة لحجاج مرهقين وصلوا بعد ساعات سفر طويلة ويستعدون لأداء المناسك، وهذه المرة فإن المشهد كان كافيا لتفجير موجة غضب واسعة، لأن الذي حدث لا يعكس سوء تقدير غذائي، بل يكشف فجوة كبيرة بين ما يعلن في المؤتمرات والتصريحات، وبين الواقع الذي يعيشه الحاج على الأرض.
حقيقة المطبخ
ما أعرفه أنا عن هذا المطبخ فإنه من أفضل المطابخ في العاصمة المقدسة، وعندما حدث الاحتجاج والهرج، لم ينكر أصحاب المطبخ مسؤوليتهم عن التنفيذ، لكنهم أوضحوا نقطة شديدة الخطورة، مبينين أن الوجبة نفذت وفق “المنيو” الرسمي الذي جاء في كراسة العطاء ووافقت عليه البعثة الحج، وهنا تتجه الأنظار مجددا إلى الجهة التي وضعت هذا التصور الغذائي لحجاج مرهقين يحتاجون إلى وجبات ساخنة ومشبعة تعينهم على أداء المناسك، لا إلى وجبات خفيفة بالكاد تناسب استراحة عابرة.
استدراك متأخر
بعد الاحتجاج جرى استدراك الموقف سريعا بتوفير وجبة ساخنة مكونة من نصف حبة دجاج مع الأرز، لكن السؤال الذي ظل يتردد بين الحجاج، لماذا لم تقدم الوجبة المناسبة منذ البداية؟ ولماذا يصبح الحاج مطالبا في كل مرة بالاحتجاج والغضب حتى يحصل على الحد الأدنى من الخدمة التي دفع قيمتها كاملة؟
حجاج ولاية كسلا أول من دفع الثمن
ما حدث لحجاج ولاية كسلا يبدو وكأنه أول فاتورة فعلية لأخطاء التعاقدات في ملفي
الإسكان، والإعاشة، فالولاية التي أكملت إجراءاتها مبكرا ودفعت استحقاقاتها، وجدت نفسها أول المتضررين من سوء الإعداد، وكأن الحاج السوداني أصبح الحلقة الأضعف دائما في كل أزمة إدارية أو ارتباك تنظيمي.
أزمة إدارة لا أزمة تفاصيل
القضية لا تتعلق فقط بفندق غير جاهز أو وجبة غير مناسبة، بل بمنظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة ومحاسبة، لأن ما جرى يكشف عن عدم
إحكام العقود، مع ضعف الرقابة عليها، إضافة لغياب المتابعة الميدانية، وكذلك الفشل في تقدير احتياجات الحجاج، مع انفصال كامل بين التصريحات الرسمية والواقع.
وفي مواسم الحج، لا تقاس النجاحات بعدد المؤتمرات ولا كثرة التصريحات، بل براحة الحاج وكرامته وسلامته، والحاج السوداني يستحق معاملة تليق به.
خدمة لا توازي التضحيات
الحجاج السودانيون لم يذهبوا إلى مكة على نفقة مجانية، بل دفع كثير منهم دم قلبه، وباع ممتلكاته لتحقيق حلم العمر، لذلك فإن أقل ما يستحقونه، سكن نظيف وآمن، وغذاء كريم ومناسب، وتنظيم يحفظ كرامتهم، وإدارة تتحمل مسؤوليتها عند الخطأ.
أما التبرير المتكرر للأخطاء، فلم يعد يقنع أحدا، لأن ما حدث في أول يوم لحجاج السودان بمكة المكرمة يخشى الناس تكراره مع حجاج الولايات الأخرى، وهذا لايمكن علاجه بالبيانات الإنشائية، أو الوعود المؤجلة
![]()
