يتقن الروائي أمين معلوف النبش في طبقات الذاكرة، ويستنطق جراح الهوية التي لا تندمل، وفي روايته «التائهون» يقدم معلوف ما يشبه السيرة الذاتية الروحية لجيل كامل، جيل حلم بعالم أفضل، فاستيقظ على كابوس الحرب الأهلية اللبنانية، التي شتتت شمله في أصقاع الأرض، وهذه الرواية ليست مجرد استعادة لماضٍ مضى، بل هي محاكمة قاسية للحاضر، ومساءلة فلسفية عميقة لمفاهيم الانتماء والمنفى والصداقة، في عالم يزداد اختلالاً وتوحشاً يوماً بعد يوم. تبدأ الرواية باتصال هاتفي يخبر «آدم»، البطل الراوي والمثقف اللبناني المقيم في فرنسا، بأن صديق شبابه «مراد» يحتضر، ليكسر هذا النداء جدار العزلة الذي بناه آدم حول نفسه طوال خمسة وعشرين عاماً، ويدفعه للعودة إلى وطنه الأم، غير أن الموت يسبقه، ليجد نفسه وجهاً لوجه مع أشباح الماضي، ومع مهمة تبدو مستحيلة، تتمثل في لمِ شمل «الشلة»، أصدقاء الجامعة التسعة، الذين فرّقتهم سبل الحياة، ومزقتهم صراعات الوطن.
سرد رمزي
وتتجلى براعة معلوف في قدرته على تحويل هذه العودة الفردية إلى بانوراما جماعية، تعكس مأساة الشرق بأسره، ومن خلال تقنية المراسلات الإلكترونية، يغوص السرد في تفاصيل حيوات الأصدقاء، ليكشف كيف أعادت الحرب تشكيل مصائرهم، فمنهم من بقي وتلوثت يداه بوحل السياسة كـ «مراد»، ومنهم من اختار العزلة كـ«سميراميس»، و«رمزي» الذي ترهبن، ومنهم من هاجر وحمل وطنه كجرح نازف كـ «ألبير» و«نعيم»، فكل شخصية تمثل استجابة مختلفة لصدمة الانهيار، وكل مسار يطرح سؤالاً موجعاً حول جدوى البقاء أو عبثية الرحيل.
إن القضية المركزية في «التائهون»، هي قضية الهوية والاغتراب، ومعلوف الذي طالما حذر من «الهويات القاتلة»، يجسد هنا مأساة الإنسان الذي يفقد بوصلته الداخلية، فالتيه في الرواية ليس تيهاً جغرافياً، بل هو تيه وجودي، وحالة من انعدام الوزن الروحي، تصيب أولئك الذين اقتُلعوا من جذورهم، ولم يتمكنوا من الانغراس في تربة جديدة، ليتساءل آدم بمرارة «هل ينتمي الإنسان إلى الأرض التي وُلد عليها، أم إلى الأرض التي اختارها؟»، والإجابة التي تقدمها الرواية ليست قاطعة، بل تظل معلقة في فضاء الحنين والأسى.
وعلى المستوى الفني، يتخلى معلوف في هذه الرواية عن قناعه التاريخي المعتاد، ليقترب أكثر من ذاته، ومن زمنه المعاصر، فلغة الرواية تتسم بشفافية جارحة، تمزج بين السرد الروائي والتأمل الفلسفي، والحوارات بين الأصدقاء تتحول أحياناً إلى مرافعات فكرية، تتصادم فيها الرؤى حول الوطن والدين، ما يعكس حالة الاستقطاب الحادة التي يعيشها المجتمع، ومع ذلك، يظل خيط الصداقة -رغم هشاشته- هو الرابط الوحيد الذي يمنع هذا العالم الصغير من التفكك التام.
تفاصيل الوطن
إن ما يميّز «التائهون»، هو قدرتها على التقاط تلك التفاصيل الصغيرة التي تختزل مأساة كبرى، فالوطن في الروايات ليس شعارات رنانة، بل هو رائحة القهوة في صباحات بيروت القديمة، والنقاشات الصاخبة في مقاهي الجامعة، وهو الأغنيات التي كانت تجمع الأصدقاء قبل أن تفرقهم الأقدار، ومعلوف ينسج من هذه التفاصيل الحميمية سردية مضادة لسردية الحرب والدمار، مؤكداً أن الأوطان الحقيقية هي تلك التي نحملها في قلوبنا، لا تلك التي ترسمها الخرائط السياسية، وهذه التفاصيل اليومية، هي التي تمنح الرواية نبضها الإنساني العميق، وتجعل القارئ يشعر بوطأة الفقد.
النهاية المفتوحة والمفجعة للرواية، حيث يظل آدم معلقاً بين الحياة والموت، إثر حادث سير، تحمل دلالة رمزية عميقة، وهي صورة مكثفة لوطن بكامله، بل ولعالم بأسره، يعيش «مع وقف التنفيذ»، كأن معلوف يقول لنا إن جراح الماضي لا يمكن شفاؤها بمجرد استعادتها، وأن العودة إلى الفردوس المفقود مستحيلة، وأننا محكومون بالعيش في هذا البرزخ الأبدي.
في المحصلة، لا تُقرأ «التائهون» كرواية عن لبنان وحده، بل كمرآة يرى فيها كل قارئ وجهه، فالتيه شرط إنساني في زمن تتآكل فيه الهويات، وتتفكك فيه الروابط، ومعلوف لا يقدم لنا خلاصاً، ولا يعدنا بعودة إلى فردوس مفقود، بل يضعنا أمام سؤال أقسى، ماذا يتبقى من الإنسان حين يفقد وطنه الداخلي؟ وهو سؤال لا تجيب عنه الرواية، بل تتركه يحترق في صدر القارئ..!
