الخميس 14 مايو 2026 1:15 مساءً –
بتوقيت القدس

غيب الموت الفنان المصري القدير عبد الرحمن أبو زهرة، الذي يعد واحداً من القامات الفنية التي تركت بصمة لا تُمحى في ذاكرة المشاهد العربي. تميز الراحل بقدرة فائقة على تطويع اللغة العربية السليمة والأداء الصوتي الرخيم، مما جعله مدرسة في فن التمثيل عبر مختلف الوسائط من دراما وسينما وإذاعة.

ارتبط اسم أبو زهرة في الوجدان الشعبي بشخصية ‘المعلم إبراهيم سردينة’ في المسلسل الشهير ‘لن أعيش في جلباب أبي’. هذه الشخصية التي صاغها السيناريست مصطفى محرم عن رواية إحسان عبد القدوس، قدمت نموذجاً إنسانياً فريداً للمعلم الشهم الذي يحتضن الشباب ويساعدهم على النجاح، مما جعلها أيقونة متداولة حتى اليوم.

في مضمار الدراما التاريخية، برع الراحل في تجسيد شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي، حيث استطاع ببراعة التنقل بين تناقضات هذه الشخصية المركبة. فقد أظهر الحجاج الخطيب والمحاور والطاغية في آن واحد، مقدماً رؤية فنية تختلف عمن سبقه في أداء هذا الدور الصعب والمثير للجدل تاريخياً.

لم يقتصر إبداع أبو زهرة على الأدوار الواقعية، بل امتد ليشمل تجسيد شخصيات رمزية مثل ‘إبليس’ في مسلسل ‘محمد رسول الله’. وقد ابتعد في هذا الدور عن التشويه الشكلي المعتاد، مفضلاً إبراز الدهاء والشيطنة من خلال الأداء النفسي والوسوسة، مما أضفى عمقاً فنياً مختلفاً على الشخصية.

يعد العمل الإذاعي من أصعب الاختبارات للممثل، وقد نجح أبو زهرة في هذا الاختبار بامتياز من خلال برنامجه ‘قطوف الأدب من كلام العرب’. فقد استطاع تعويض غياب الصورة بحركات صوتية دقيقة، مكنت المستمع من تجسيد المعاني وتصور المشاهد الأدبية بوضوح تام اعتماداً على حاسة السمع فقط.

رغم هذا العطاء الفني الكبير، أثار رحيل أبو زهرة موجة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي بسبب مواقفه السياسية السابقة. فقد استذكر البعض تصريحات له أيد فيها التحولات السياسية في مصر بعد عام 2013، وهو ما دفع قطاعاً من الجمهور لرفض تقديم التعزية فيه بناءً على تلك المواقف.

يرى مراقبون أن هذا الانقسام يعكس حالة من ‘الكربلائية’ التي تصاحب وفاة الشخصيات العامة، حيث يتم اختزال تاريخ طويل في موقف سياسي واحد. ويؤكد هؤلاء أن موازين التقييم لا ينبغي أن تكون من كفة واحدة، بل يجب النظر إلى الإنسان في سياقه الكامل ومجمل عطائه الفني والإنساني.

إن الحديث عن مزايا وفضائل شخص لا يعني مسح أخطائه، بل يعني أن نضع الأخطاء جنبا إلى جنب مع الفضائل والسجايا بميزان العدل والإنصاف.

يستشهد الكاتب بنماذج تاريخية من الفكر الإسلامي تعاملت بمرونة مع المخالفين سياسياً، مثل حالة الكاتب أنور الجندي. فرغم تحوله من صفوف الإخوان المسلمين إلى تأييد جمال عبد الناصر وكتابة مقالات ضدهم، إلا أن الكثير من أدبياته ظلت تُقرأ وتُحترم في أوساطهم تقديراً لقيمتها الفكرية.

كذلك يُشار إلى تجربة الشيخ أحمد حسن الباقوري، الذي انضم لحكومة الثورة وتولى وزارة الأوقاف رغم صدامه مع رفاقه السابقين. ومع ذلك، لم يتم إلغاء نشيد الإخوان الرسمي الذي كتبه، مما يدل على قدرة الحركات الفكرية قديماً على الفصل بين الموقف السياسي والمنتج الإبداعي أو الدعوي.

حتى في حالات الخلاف الشديد، مثل ما حدث بين الشيخ محمد الغزالي وقيادات الجماعة في فترة معينة، ظلت كتب الغزالي تُدرس وتُوزع. هذا المنهج القائم على الإنصاف كان يسمح بتقدير العلم والفن بمعزل عن الخصومة السياسية العابرة، وهو ما يفتقده الواقع المعاصر في كثير من الأحيان.

إن محاولة ممارسة الضغط العاطفي لمنع الناس من التعبير عن تقديرهم لفنان راحل هي سلوك يحتاج إلى مراجعة. فالحرية في التعبير عن القناعات الشخصية تجاه المبدعين يجب أن تظل مكفولة، بعيداً عن الاستقطابات الحادة التي تسعى لتصنيف الناس بين أبيض وأسود فقط.

الدفاع عن حق أبو زهرة في التقدير الفني لا يعني بالضرورة تبرئة مواقفه السياسية أو تبنيها، بل هو إرساء لمبدأ العدل. فالميزان المنضبط هو الذي يضع الأخطاء والخطايا جنباً إلى جنب مع الفضائل والسجايا، دون أن يطغى جانب على الآخر بشكل تعسفي.

ختاماً، يظل عبد الرحمن أبو زهرة علامة فارقة في تاريخ الفن المصري والعربي، حيث تجاوزت موهبته حدود الأدوار التقليدية. وسيبقى إرثه الفني مادة للدراسة والتقدير، بينما تظل مواقفه السياسية جزءاً من سياق تاريخي معقد عاشته المنطقة العربية بكل تحولاتها.

إن رحيل الكبار يفتح دائماً باب النقاش حول العلاقة بين الفنان والموقف السياسي، وهي جدلية قديمة متجددة. لكن الأهم هو الحفاظ على القيم الإنسانية في التعامل مع الموت، وترك الحكم النهائي للتاريخ ولرب العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.