أقلعت عن عادة قديمة لازمتني منذ الهجرة، أي منذ ثلاثة عشر عامًا، إلا شهورًا، وهي مشاهدة وقائع صلاة الجمعة عبر القناة الأولى المصرية، ومن حسن الحظ أن صلاة الجمعة في قطر تسبق مصر بوقت كاف!
وكان الدافع لهذا هو العيش مع ذكريات زمان، وكانت المساجد تنقل قرآن الجمعة، وتفتح البيوت المذياع أو جهاز التلفزيون في هذا التوقيت، من باب البركة، وليس بالضرورة أن يكون هناك من يجلس مستمعًا، أو مترقبًا إعلان المذيع صعود الإمام للمنبر لإلقاء الخطبة.
وسبب الإقلاع أن الأمر لم يعد يذكر بالماضي، فالقراء الجدد مقلدون، ويفتقدون للبصمة الخاصة، إلا من قلة متميزة مثل الشيخ عبد الفتاح الطاروطي، أما الخطبة فصارت دعاية سياسية فجة أفسدت شكلها القديم المتوارث والمنضبط، وكأن الخطيب يلقي خطبته في مؤتمر انتخابي لحزب مستقبل وطن، وقد بدأت هذه الحالة في عام 2014 عبر وزير الأوقاف الأسبق الدكتور الأحمدي أبو النور، وذلك في خطبة عيد!
وكان من العبث أن يفعلها واحد من الجيل القديم، لكن من الواضح أن الرجل كان ممتنًا للرئيس، الذي أعاده للمشهد بعد غياب، وكان لسنوات طويلة غائبًا عن الحضور العام، وسألت قريبًا له ذات مرة عنه، فقال لي: لقد اجتمعت عليه الشيخوخة والمرض.
ولأن دعايته من فوق المنبر كانت جديدة على الناس، فقد قوبل بهجوم شديد عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويبدو أن الأمر حز في نفسه، فغاب من جديد، ولم نسمع عنه سوى بإعلان خبر وفاته، وكان ما قاله عن الرئيس عبارة أو عبارتين، لم يستسغهما الناس، فجاء من بعده جيل من الخطباء الذين يضربون بالدف فوق المنابر، فحولوا الخطبة إلى وصلة نفاق، وكنا نمرر بصعوبة الدعاء التقليدي «اللهم احفظ الراعي والرعية»، ونعتبره نفاقًا ينتقص من قيمة المنابر، ولم نعلم ما ينتظرنا، وأفسد علينا هذه العادة فتركناها حفاظًا على السلامة النفسية!
وهذه المقدمة الطويلة العريضة هي لأقول إنه لم يعد في التلفزيون الرسمي ما يربطني بشيء، ونحن جيل يعيش في الماضي أكثر من الحاضر، وبعيدًا عن قناة «ماسبيرو زمان»، فلا قيمة وجدانية لشيء آخر، وقد ضاعت الأولى والثانية والفضائية المصرية ذات ضبط لجهاز الريسيفر، فلم أهتم بالبحث عنها، وهذا لا يمنع من أن يكون رأيي أن مبنى ماسبيرو في حد ذاته قيمة، ويمثل اتحاد الإذاعة والتلفزيون سابقًا رمزًا مهمًا، وأن بوجوده يظل الأمل في غد ينفض عنه الغبار، ويذهب عنه الضعف، أو هكذا أتصور!
وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فهل مصر في طريقها للتخلص من هذا التاريخ؟ وقد ينتهي المطاف بالرسمي من المحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية إلى مبنى صغير في العاصمة الإدارية الجديدة، أو في مدينة الإنتاج الإعلامي، ليتم بيع المبنى لصاحب القسمة والنصيب، كما تم التخلص من مجمع التحرير التاريخي وتحويله إلى مشروع فندق؟!
مؤخرًا تسرب أن لجنة الثقافة والإعلام في مجلس النواب تنظر في ما انتهت إليه لجنة تطوير الإعلام، التي شكلها رئيس الحكومة، وأوكل أمرها للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بعد المبادرة الرئاسية في هذا الخصوص، وقد رفعت اللجنة «تقريرها السري» إلى رئيس الحكومة، وطلبت أنا هنا نشره، لكن لا حياة لمن تنادي، فالإثم ما كرهت أن يطلع عليه الناس!
وما تسرب هو بند واحد، يتمثل في تحويل المؤسسات الصحفية القومية إلى شركات مساهمة، وعندما نشر هذا الأمر كان الرد غير الرسمي والعابر أن هذا هو مقترح عبد المنعم سعيد، ليكون السؤال: وهل رفع الأعلى لتنظيم الإعلام الاقتراحات «بعبلها» دون نقاش؟! وفي تقاليد المناقشات ترفع توصيات بعد نقاش المقترحات. إنهم يدبرون لمصيبة!
وإذا كان هذا ما يدبر للصحف القومية، فهل يستثنى التلفزيون والإذاعة الرسميان من هذا المخطط؟!
لا أحد يجيب عن الأسئلة المطروحة بوضوح، والسكوت علامة على أن الأمور كما تصورنا! إنها سياسة: انسف حمامك القديم.

ثقافة الضريح: عندما تكون
اللقطة هي كل الموضوع

في انتظار أن يعلن أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، عن عودة سهير الإتربي لرئاسة التلفزيون، وحمدي الكنيسي لرئاسة الإذاعة، وأحمد سعيد لإعلان بيان النصر. ومنذ أن تولى رئاسة الهيئة وهو منصرف للماضي، باعتباره الرجل الأوحد فيها، ورغم أنها هيئة، وأن هناك أعضاء، إلا أنه غيب الجميع، فلا اجتماع يعقد، ولا مناقشة لأفكاره قبل إعلانها، والوقوف على جديتها، لأنه يتصرف كترامب، الذي يستيقظ من نومه، وكل ما يعن له من أفكار يكتبها، بحسب حالته المزاجية، وقد يعدل عنها بعد قليل أو في اليوم التالي، وقد يلحس سطر سطرًا في المنشور الواحد!
وفي إدارته لمبنى ماسبيرو، لا يجوز لرئيس الهيئة أن يترك لنفسه العنان، فيتحفنا بالمقترحات بما ينسي بعضها بعضًا لاستحالة تنفيذها، فمن الإعلان عن عودة البرنامج القديم «قال الفيلسوف» في الإذاعة، إلى عودة مسرح التلفزيون، وفي انتظار عودة الإتربي والكنيسي رحمهما الله، وبالمرة عودة «ليالي التلفزيون».
ومنذ البداية قلت إن وجود الفنانة سميرة عبد العزيز على قيد الحياة لا يكفي وحده لعودة البرنامج، لأنه كان يقوم على اثنين من الفنانين؛ سميرة صديقة الفيلسوف، والفيلسوف نفسه الذي كان يقوم بدوره الراحل الفنان سعد الغزاوي، فضلًا عن أن أداء السيدة سميرة في سياق أنها صبية، وهي الآن في مرحلة عمرية لا تسمح لها بهذا الدور، لكن صاحبنا كان «يفرقع بمب العيد»، وانتهى الأمر إلى لا شيء!
ومؤخرًا أعلن المسلماني عن عودة «مسرح التلفزيون»، وبدلًا من الإعلان عن عرض أول مسرحية وأسماء الممثلين، فوجئنا به يستقبل السفير اليوناني، والإعلان أنه زار المسرح، لمناقشة العلاقات التاريخية بين البلدين!
فأفكاره ليست سوى أضرحة، يأتي الآخرون لزيارتها، والغربال الجديد له شدة، فإذا قدم هذا الضريح بعث ضريحًا جديدًا، وهكذا!
وقبل ضريح مسرح التلفزيون، كان ضريح استوديو أحمد زويل، وضريح استوديو نجيب محفوظ، حيث استقبل الزائرين لهما، ثم انتهى أمرهما وبدأ تدشين ضريح آخر!
وقد سبق له الإعلان عن عودة قطاع الإنتاج بالتلفزيون، الذي كان يقوم بالأعمال الكبيرة والمهمة للدراما، وكنت أدرك أن هذا هو المستحيل بعينه؛ ذلك بأن الشركة المتحدة احتكرت الإنتاج، ولن تسمح بالمنافسة، فهل كان يدرك هذا، وأن كل ما يهمه هو القيام بطلعة جوية إلى حين طلعة أخرى؟!
لا يجوز لأعضاء الهيئة الوطنية للإعلام أن يتركوا المسلماني يتصرف في الهيئة تصرف المالك فيما يملك، ويتعامل معهم على أنهم موتى، وأن الهيئة نفسها ضريح، الحي الوحيد فيها هو وكيل صاحب المقام سيدي العارف بالله.
أيها المحلق في السماء.. انزل على الأرض بسلام!

مصطفى الفقي.. متى ينام؟!

لا يكف الدكتور مصطفى الفقي عن الكلام، ينتقل من أستوديو إلى أستوديو، ومن قناة تلفزيونية إلى «بودكاست»، فلا نعرف متى ينام، وهو يعيد إنتاج نفسه، ويروي الحكاية بأكثر من طريقة، ولو أن متفرغًا أعاد النظر في رواياته لانتهى به المطاف ينظم المرور في شوارع القاهرة!
مؤخرًا عاد الفقي إلى الحديث عن قضية توريث الحكم في مصر، ولا نعرف مناسبة ذلك، إلا أن المذيع يعتقد أن الموضوع لا يزال مهمًا، فأعاد طرح السؤال الذي تم طرحه عليه أكثر من مرة، وأجاب إجابات مختلفة، وفي الأيام الأخيرة سئل فأجاب: إن مبارك اعتبر موضوع التوريث شائعة أطلقها الجهاز الإعلامي لجماعة الإخوان، لكن مبارك قال له إنه لا يريد أن يضع ابنه جمال في مواجهة قد تنتهي باغتياله، مثلما حدث مع الرئيس السادات؟!
ما وجه المقارنة بين السادات ومبارك الابن؟! المعنى في بطن الشاعر، الذي سبق له أن قال مرة إن التوريث حقيقي، وجمال مبارك كان يعامل من الجميع على أنه الرئيس. ومرة نفى تمامًا، ومرة قال إن المشير طنطاوي قال له إن الجيش سيمنع ذلك بالقوة. هل كان طنطاوي يستطيع أن يقول هذا الكلام؟!
لكنه الفقي، الذي قال ذلك في سياق تبريره إن الحكم من اختصاص الجيش، تمامًا كما مهد لجمال مبارك في مقولته قبل الثورة إن رئيس مصر القادم لا بد أن توافق عليه أمريكا وإسرائيل. ألم يشبع مصطفى الفقي من الظهور التلفزيوني؟!

صحافي من مصر