في العام 1983، يصل عمر الشريف إلى مدينة صغيرة في مقاطعة ويست ساسيكس الإنكليزية، ليلعب دور البطولة في مسرحية “الأمير النائم” للكاتب المسرحي البريطاني تيرنس راتيغان.

 

يوم الافتتاح كانت ساحة انتظار سيارات مسرح “كايتشستر فيستفال” محتشدة على آخرها بالجمهور من المدينة وخارجها. مر على حمى الهوس الهوليوودية بعمر الشريف الكثير من الوقت، لكن حضور النجم ذائع الصيت في المدينة الإنكليزية الهادئة كان حدثاً مثيراً. حينها اشتكى مكتب البريد المحلي من أنه وجد صعوبة في التعامل مع حجم المراسلات الضخمة التي كانت تصله يومياً من المعجبات.

 

إلى تلك الزيارة، تعود الكاتبة المسرحية هنا خليل في مسرحيتها “مع حبي، عمر” المعروضة حالياً على مسرح “تياترو تيكنس” اللندني. انكبت خليل المولودة لأم أيرلندية وأب فلسطيني على بحث حول تلك الأقامة، عبر التنقيب في الأرشيف وعمل اللقاءات مع من عملوا مع شريف في المسرحية وبعض سكان المدينة. كان عمر محبوباً بلا شك، وثمة حكايات متعددة عن كرمة الغامر، حيث دعا الجميع إلى حفلات عشاء في المطاعم وفي محل إقامته، وفي عيد الميلاد الواحد وعشرين لأحد مديرات المسرح أهداها ظرفاً به راتبه لمدة أسبوع، وكان هذا مبلغاً ضخماً. يهتم عمر بالجميع خلف خشبة المسرح، يقضي الساعات ليعلم أحدهم لعب الطاولة في حجرته في المسرح، ويقبل يد معاونة الملابس ويخبرها بأنها جميلة جداً في واحدة من حفلاته الكثيرة. ولكن مع هذا، لم يكن التعامل معه سهلاً دائماً، كان هناك بعض التوتر بينه وبين بطلة المسرحية. صبغ عمر شاربه قبل العرض الأول، وبعد قبلة بينه وبينها على الخشبة بدأ الجمهور في الضحك، فالصبغة تركت خطاً أسود فوق شفتها العليا. لاحقاً طلبت منه عدم صبغ شاربه مرة أخرى، لكن أصر بغضب على إنكار الأمر.

يقوم الممثل الإنكليزي من أصول جزائرية، آل نجاري، بدور بارع وساحر وهو يقدم شريف كشخصية معقدة، كريم وجذاب، مزهو بنجوميته وواع بخفوتها، ساذج ومحنك في آن، وزير نساء بالطبع لا يفوت فرصة للمغازلة، هو أيضاً سريع الغضب ومتواضع وأحياناً كثيرة يطفو على السطح عدم ثقته بالنفس. المسرحية المكونة من فصل واحد، وتدور بكاملها هو غرفة عمر في الكواليس، هي “رسالة حب للمسرح” كما تقول كاتبتها، والتي أرادت بها أن تكتب عملاً عما يدور خلف الخشبة.

العربي في فيلم لورانس العرب

دافني، هي مساعدة ملابس متقدمة في العمر، تغدق على عمر بالثناء دائماً وتنقل له الرسائل المزعجة من باقي طاقم العمل وتتحمل موجات غضبة برباطة جأش. أما ماغ التي تقوم ببطولتها الممثلة الأردنية البريطانية، لارا صوالحة، فهي مساعدة المخرج التي لا يلاحظها في البداية وتأتي إلى غرفته لمراجعة معه نص دوره.

 

في أحد أوجهها “مع حبي، عمر” هي معالجة معاصرة لمسرحية “الأمير النائم”. فكما في المسرحية الأقدم تقع ممثلة إنكليزية في غرام أمير أجنبي (مستلهم من شخصية ملكية من رومانيا)، نرى في مسرحيتنا لقاء بين رجل في موقع سلطة مدعوم برصيد الشهرة والغنى والعلاقات وبين امرأتين، مساعدة الملابس ذات الوظيفة المتواضعة، ومساعدة المخرج الشابة المضطرة لقبول عمل في مسرحية لا تستسيغها. لكن هذا ليس كل شيء.

دور غيفارا

ثمة قصة شهيرة رواها عمر في أحد حواراته المتلفزة عن امرأة أميركية اقتحمت غرفته الفندقية وهي تحمل مسدساً وأرغمته على مطارحتها الغرام تحت التهديد. لكن وبسبب التوتر يعجز عمر عن الانتصاب، وفي النهاية تعرب خاطفته عن خيبة أملها في النجم المعروف بمغامراته الجنسية المتعدّدة. على المنوال نفسه، تنتهي ماغ بتهديد عمر بموس حلاقته، وذلك لترغمه على حلق شاربه، “شارب عمر الشريف الأشهر من عمر الشريف نفسه” كما يقول في المسرحية، وهو الشارب الذي يذكرها بوالدها اللبناني (هي نصف لبنانية ونصف إسكتلندية) وذاكرة المهانة العنصرية التي يتعرض لها في بريطانيا وتشهدها في طفولتها.

“دكتور جيفاغو”

ببصيرة يخبر عمر خاطفته بأنها تريد أن تسقط عليه معضلاتها كما أن معجباته يسقطن عليه خيالاتهن الجنسية، هكذا يكون النجم خلفية يشبع الجميع عليها رغباتهم غير المتحققة وأحلامهم وشبقهم. بالمثل، تسقط كاتبة المسرحية سياسات الهوية الهجينة المعاصرة على “أشهر عربي في العالم”، وهي تسائل التقييمات السلبية وشبه العنصرية في الصحافة البريطانية يشأن دورة في “الأمير النائم”، وتعود بحس مابعد كولونيالي لتاريخ العدوان الثلاثي وحرب 67. ينجح العمل في أن يقدم تشريحاً ساخراً وممتعاً وتراجيدياً للسلطة والنجومية بحس معاصر، لكن وهو يفعل ذلك يغيب صورة عمر في زمنه. لم يكن عمر الشريف في أوج مجده عربياً، بل جزء من أرستقراطية كوزموبوليتانية آفلة عابرة للحدود، وكان هو داخلها الأجنبي الإيكزوتيكي، يمكن أن يكون عربياً في “لورانس العرب” وروسيا في “دكتور جيفاغو” وثورياً أرجنتينياً في “غيفارا”، أو حتى أميراً من رومانيا في “الأمير النائم”.