Published On 16/5/202616/5/2026

|

آخر تحديث: 20:48 (توقيت مكة)آخر تحديث: 20:48 (توقيت مكة)

رغم أن المسلسلات التلفزيونية المصرية قدمت من قبل أعمالاً بوليسية ودراما قانونية، خصوصاً خلال السنوات القليلة الماضية، فإن قليلاً منها فقط حاول أن يخلق لنفسه “هوية” واضحة، ليس فقط عبر القصة، بل باستخدام الشكل والأسلوب البصري.

وهنا تحديداً يظهر الفارق بينها وبين مسلسل “الفرنساوي”، العمل الذي ظهر منذ حملته الدعائية وكأنه مهتم بصنع هالة حول شخصيته الرئيسية كما لو أنها أهم من الحبكة نفسها.

اقرأ أيضا list of 1 itemend of list

“الفرنساوي” مكون من عشر حلقات، وبطولة عمرو يوسف إلى جانب سوسن بدر وجمال سليمان وعائشة بن أحمد، وينتمي إلى مسلسلات المنصات القصيرة التي تبتعد عن القوالب التلفزيونية المعتادة، سواء من حيث الإيقاع السريع أو الصورة السينمائية، وهو من تأليف وإخراج آدم عبد الغفار في أول تجاربه المستقلة في مسلسل تلفزيوني، حيث قدم من قبل الفيلم القصير “شوكة وسكينة”، وشارك في تجربة مسلسل “نمرة اثنين”.

البطل أهم من الحبكة

من السهل النظر إلى “الفرنساوي” كمسلسل جريمة أو تشويق قانوني، خصوصاً مع اعتماده على جريمة محورية وصراعات مرتبطة بالقانون، لكن المسلسل في الحقيقة مهتم بشيء آخر تماماً، وهو رسم شخصية بطله؛ فمنذ الحلقة الأولى لا يتعامل العمل مع خالد (عمرو يوسف) كبطل داخل حبكة، بل كمشروع كامل لصناعة أسطورة معاصرة لمحام يعرف كيف يفرض حضوره على أي مكان يدخله، ويحول القانون إلى أداة طيعة في يده.

كل شيء تقريباً داخل المسلسل مصمم لخدمة هذه الصورة، من طريقة كلامه الهادئة، وبروده المستمر حتى في أكثر اللحظات توتراً، وملابسه الأنيقة ولزماته الكلامية، وطريقته في التأثير في الآخرين، والأهم صوته الداخلي الذي يسمعه المتفرج طوال الوقت وهو يحلل أفكاره، الصوت الذي يُظهر إعجاب الشخصية بنفسها وبعبقريتها الخاصة.

لذلك يبدو واضحاً أن مسلسل “الفرنساوي” لا يهتم بالحبكة قدر اهتمامه بطريقة تقديم بطله، حتى إن الأحداث نفسها تتحول أحياناً إلى مجرد وسيلة لاستعراض ما يستطيع خالد القيام به عندما يوضع تحت ضغط.

ماض يطارد صاحبه

وربما لهذا السبب يقترب العمل من كونه “دراسة شخصية” منه إلى مسلسل “إثارة وتشويق” تقليدي. فبدلاً من بناء لغز معقد يعتمد على مفاجأة المتفرج، أو مسلسل جريمة، نجد أن ماضي خالد هو المفتاح الحقيقي لتحريك الحبكة؛ فهو ليس مجرد محام ناجح وثري، بل ابن رجل قتل زوجته، ثم هرب من حكم المحكمة وترك ابنه وحيداً يواجه وصمة اجتماعية قاسية.

هذه الخلفية لا تُستخدم كمجرد عنصر صادم، بل كأساس نفسي يفسر تصرفات الشخصية بعد ذلك، ويحركها، ويجعله ينظر إلى القانون كلعبة يجب أن يفوز بها، بينما تتحرك الحبكة نتيجة عودة حبيبته القديمة إلى حياته، تلك العودة التي تؤدي إلى انهيار الصورة المحكمة التي صنعها لنفسه عبر السنوات.

على الجانب الآخر، تخفق محاولات المسلسل في مفاجأة المتفرجين، فحتى التواءة الحبكة التي حدثت في نهاية الحلقة الرابعة كانت متوقعة للغاية منذ الحلقة الأولى تقريباً، والتشويق يقوم على سؤال: كيف ستتصرف الشخصية الرئيسية عندما تتحول إلى الطريدة في سباق وحشي؟

وربما كان هذا رهاناً مثيراً للاهتمام لو نجحت مساعي المخرج والمؤلف في تقديم شخصية جاذبة للمتفرج يتفاعل معها ويتمنى نجاتها ونجاح مساعيها، لكن ذلك لم يحدث في “الفرنساوي”؛ فالشخصية، وخصوصاً مع أداء عمرو يوسف، تبدو معزولة وخيالية وغير قابلة للتعاطف معها بسهولة.

انتصار الصورة على النص

ربما تكمن أكثر نقاط “الفرنساوي” إثارة للاهتمام في الطريقة التي يكشف بها عن التحول الذي تمر به الدراما المصرية حالياً، خصوصاً مع صعود أعمال المنصات؛ فالمسلسل يبدو أحياناً مهتماً بالشكل البصري، بنفس القدر وربما أكثر من اهتمامه بالكتابة نفسها، مثل الصورة والإضاءة والكادرات الواسعة، والألوان الباردة، وتصميم الملابس، والموسيقى التي تتعامل مع كل ظهور لخالد كما لو أنه استعراض.

هذا الاهتمام بالشكل ليس تفصيلة جانبية، بل جزء أساسي من هوية المسلسل، وهالة العظمة المحيطة بالشخصية الرئيسية، التي تتحرك الكاميرا حولها بطريقة تمنحها حضوراً أكبر من الجميع، وتصمم المشاهد لإقناع المتفرج طوال الوقت بأنه أمام شخص استثنائي، قبل أن تثبت الأحداث ذلك؛ فالمسلسل مبني بالأساس على أن بطله هو الشخص الأذكى والأكثر هدوءاً وسيطرة داخل العالم الذي يتحرك فيه.

هذه النوعية ليست جديدة بالطبع، بل ظهرت بقوة في شخصيات مثل هارفي سبكتر في مسلسل “سوتس” (Suits)، أو سول غودمان في “من الأفضل الاتصال بسول” (Better Call Saul)، وفيها يصبح البطل نفسه هو عنصر جذب أساسي، بالإضافة إلى القضايا والأحداث المحيطة به، لكن في “الفرنساوي” يتم إهمال كل ما هو حول خالد.

خالد شخص مصنوع بعناية، سواء على مستوى بناء الشخصية أو التصميم البصري الخاص به، وعلى الرغم من محاولة إظهار عمقه الإنساني وعلاقاته المعقدة، فإنه لا يسمح للمتفرج بالتورط العاطفي معه؛ فالحوار على سبيل المثال مكتوب ليبدو ذكياً أو بارداً أكثر من كونه طبيعياً.

القاهرة كما تتخيلها المنصات

يقترب مسلسل “الفرنساوي” كذلك من اتجاه واضح في كثير من أعمال المنصات مؤخراً، حيث يتم تقديم العمل في عالم شديد الثراء والأناقة، ولهذا تبدو القاهرة داخل العمل مختلفة عن القاهرة التي يعرفها أغلب المتفرجين؛ فهي مدينة باردة ولامعة، فحتى شقق وسط المدينة أو الفنادق المطلة على النيل، المختارة للظهور في العمل، شاسعة المساحة ومزينة بالرخام الفاتح، ولا تظهر أماكن حقيقية رثة إلا بشكل محدود للغاية، في استكمال للصورة الاستعراضية التي تتحول إلى جزء من الهوية البصرية للعمل بشكل عام.