في مواجهة الفن الحديث، وبالتحديد فيما يبدو فوضى بصرية عارمة، تقف بعض التجارب الفنية المعاصرة، والتي وصفها البعض بالمشفرة، أو الفوضى، بالعبث، لأنها ألوان لا تعني شيئاً، وإن كان هناك معنى، فثمة نقص. من تجارب هذا الفن المعاصر قدم لنا الفنان الأمريكي جان ميشيل باسكيات، الذي توفي باكراً عام 1988م، ولم يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره، محققاً شهرة كبيرة بعد رسمه أعمالاً كُتب عنها بأنها طبقات من اللغة والغضب والذاكرة.

كان باسكيات، في بداياته يرسم فوق جدران المدينة، كفن غرافيتي، لكنه بعد ذلك دخل صالات العرض من أوسع الأبواب، معتبرين فنه عبقرياً، بعد أن حمل روح الشارع كمنهج في لوحاته، لتتجاوز الكلمات في تلك الرموز مع الأشكال البدائية، دون ترتيب ظاهري، على الرغم أن للبعض بدت لوحاته فوضى من تيجان وجماجم وأسماء، مع شطب متكرر، وكأن اللوحة دفتر ملاحظات متوتر، ليتدخل النقاد مدافعين عن فنه.

بالتأكيد، ولمن يشاهد لوحاته، يلاحظ أنه لا يسعى إلى الإتقان، بل إلى البقاء، وأن هذه الفوضى ليست اعتباطية، فالنصوص التي يكتبها ثم يشطبها ليست حذفاً، بل تأكيداً، بينما الكلمة المشطوبة تُرى أكثر، وتُقرأ بوصفها أثراً لا خطاباً.. هنا، تتحول اللغة من وسيلة شرح إلى مادة بصرية، ويصبح الخطأ جزءاً من التكوين، لا عيباً فيه. إننا أمام كتابة تقاوم الاكتمال، كما لو أن المعنى نفسه مهدد بالإمحاء.

في هذا السياق، لا يمكننا فصل أعمال باسكيات عن تاريخها الاجتماعي والسياسي، فهي تحمل أثر الهوية السوداء في أمريكا، كتشظّ لغوي وبصري.

الرموز التي يكررها خصوصاً التاج، بأنها ليست زينة، بل إعادة كتابة لموقع الذات داخل تاريخ من التهميش، كذلك الفوضى هي احتجاج، وليست غياب نظام. أما تقنياً، فيعتمد باسكيات على طبقات سريعة، وخطوط حادة، وألوان صادمة، تُنتج إيقاعاً بصرياً قريباً من الموسيقى الارتجالية. لا توجد بداية واضحة أو نهاية، بل تدفّق مستمر، كما لو أن اللوحة لحظة متجمدة من تيار أطول.

وأخيراً، اليوم، وزمننا المعاصر، حيث يميل إلى التبسيط في كل شيء، تأتي هذه الأعمال لتُعيد الاعتبار للتعقيد، كضرورة، لتُربك المتلقي، بدلاً من توضيح المعنى، فالفن المعاصر يريد أن يدفع الإنسان إلى البحث، إلى الربط، إلى إعادة القراءة، فالفوضى، حين تُبنى بوعي، دون إخفاء المعنى، تحميه حيث يكمن الأثر الأعمق.