أى محاولة للربط بين الموقف السياسى والفنى للمخرج الإيرانى الأشهر، أصغر فرهدى، وفيلمه المعروض الآن فى مهرجان كان (حكايات موازية)، أراها غير قادرة على الصمود طويلا.. السينما كلغة لا تقع أبدا تحت طائلة حروف الأبجدية، لاتينية أو عربية أو فارسية أو هندية أو غيرها، ولكنها تقيّم بقدرتها على التعبير. والخروج من الخاص إلى العام هو الرهان الحقيقى للمبدع. المخرج الإيرانى- صاحب الجوائز المتعددة فى (كان) و(برلين) مع استحواذه أيضا على (أوسكارين) وغيرها- هو بحق صاحب البريق الأكبر فى مهرجان (كان).
أتحدث طبعا عن أصغر فرهدى، الذى يقف دائما على الجانب الآخر من السلطة الإيرانية فى عهد (الملالى)، إلا أنه يحرص على ألا يصطدم بها، على عكس المخرج، ابن بلده، جعفر بناهى، الحاصل فى العام الماضى على السعفة الذهبية عن فيلمه (حادث بسيط). «بناهى» صدرت فى حقه أحكام بالسجن وأخرى تمنعه من ممارسة المهنة أو السفر خارج الحدود. و«فرهدى» يستطيع فى أى وقت أن يسافر من وإلى إيران، على الأقل حتى كتابة هذه السطور.
يُذكرنى «فرهدى» بمنهج أهم مخرج إيرانى فى تاريخها السينمائى الحديث، الراحل عباس كيرو ستامى، يهاجم الدولة الإيرانية عندما تمارس السلطة القمعية ضد المواطنين، ولكنه يتجنب الاصطدام المباشر بها. هو غير مُرَحَّب به رسميا، ولكنه يحمل جواز السفر الإيرانى، ولا يمنعه أحد من الحركة داخل وخارج البلاد، هو فقط يتنفس سينما.
فى فيلمه الأخير (حكايات متوازية)، يطل على أبطاله من خلال التباين الحاد للنفس البشرية. العلاقة بين كاتبة شبه معتزلة غارقة فى احتساء الخمور، تؤدى دورها (إيزابيل هوبير)، لا تستطيع إكمال روايتها الجديدة التى أطلقت عليها «حكايات متوازية»، ولهذا تتبع من شرفتها نوافذ الجيران، لعلها تثير بداخلها الحافز لاستكمال الرواية. تذكرت فيلم هيتشكوك الشهير، (من النافذة)، بطولة جيمس ستيوارت. مصور أُصيب فى ساقه، غير قادر على الحركة، يتابع الجيران من النافذة. لا تواجد قطعا لأى تأثر درامى مباشر. الموقف أساسا لا يحمل خصوصية، ولكن من الممكن اعتباره حالة قابلة للتكرار لأنها تقع ضمن اختيارات الإنسان الممكنة. دخول الشاب الممثل التونسى (آدم بيسا) يغير من حالة اللعبة السينمائية، تسلل إلى البيت عن طريق ابنة شقيقتها عندما أنقذها من السرقة داخل المترو. كان هذا هو المبرر الوحيد لكى تسمح الكاتبة لهذا الشاب البوهيمى باقتحام حياتها، وهو أيضا يسرقها أدبيا وينسب قصتها لنفسه. عالمان متناقضان تماما، وفى نفس الوقت يبدو وكأن لقاءهما حتمى. الشخصيات التى نسجها خيالها دخلت فى صراع حتمى مع الواقع الذى تعيشه، المخرج ينتقل بينهما فى حالة من الانسجام الداخلى بقدر ما بها من تصادم خارجى. الإنسان، كل إنسان، يعيش أيضا مع اختلاف الدرجة فى حياتين، واقع يفرض نفسه، وخيال. مع الزمن، من الممكن أن يتم تبادل المقاعد بين الحقيقة والوهم، وكلنا، شئنا أم أبينا، نعيش، بدون أن نقصد، هذا التباين.
الأفلام التى يقدمها عادة مخرجون يقفون على يسار الدولة يتم إنجازها بعيدا عن قبضة الدولة الإيرانية المتزمتة فى التسامح بين الدراما وقانونها والحياة وقانونها، فهى تطبق معاييرها الدينية الصارمة على الجميع، فلا تسمح مثلا بأن نشاهد امرأة غير محجبة، ولا تفرق حتى بين امرأة لا ترتدى الحجاب بحكم دينها، فهو لا يطل على العمل الفنى بتلك الزاوية، ممنوع العنف والجنس.
المخرج أصغر فرهدى تعامل مع الدراما مباشرة وما تفرضه لا يعنى ذلك أن بالفيلم مشاهد تعودنا وصفها بالجريئة، ولكن مؤكد به مشاهد لا يمكن أن توافق عليها الرقابة الإيرانية.
هناك دائما مسافة بين الواقع والتوقع، وأسوأ معضلة تواجه المتفرج عندما يحدث تناقض بينهما، أو فى الحد الأدنى تتسع الهوة بينهما. المتفرج الذى يتعاطى مع الفيلم وفى ذاكرته أفلام أصغر فرهدى مثل (انفصال) أو (البائع)، اللذين حظى من خلالهما بأرفع الجوائز، لن يجد ما يشفى غليله، بينما مَن يدخل إلى الشريط ملتزما بقانون المخرج سيجد ما يشفى غليله وغليلنا.
الفيلم يحصل على جنسيته، من جنسية جهة الإنتاج، وهذا الفيلم طبقا لذلك التوصيف فرنسى الجنسية. أُثير موقف المطالبة بتعديل جائزة الفيلم الدولى فى الأوسكار- غير الناطق بالإنجليزية- ليحمل اسم المخرج وليس بالضرورة الدولة، وهى فكرة جديرة حقا بالتأمل!!.
