كان الجدل حول مشاركة إسرائيل القضية الأبرز في نسخة هذا العام من مسابقة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن”. فقد قاطعت خمس دول المسابقة الغنائية، الأكبر من نوعها في العالم، ورافقت عرض إسرائيلفي نصف النهائي بعض صيحات الاستهجان، كما تظاهر مئات الأشخاص أمام قاعة المسابقة في العاصمة النمساوية فيينايوم السبت خلال نهائي المسابقة. ومع ذلك، انتهت المسابقة بحصول إسرائيل على المركز الثاني بأغنية “ميشيل” للمغني نعوم بيتان، حيث حصدت عددا كبيرا من أصوات الجمهور وكادت تفوز باللقب. فكيف يمكن تفسير ذلك؟
نظام التصويت وتفوق أنصار إسرائيل
يكمن أحد الأسباب الرئيسية في نظام التصويت في المسابقة. إذ لا تستند عملية منح النقاط إلى تقييم لجان تحكيم متخصصة (تصويت لجان الخبراء) فقط، بل أيضا إلى أصوات المشاهدين (التصويت الجماهيري). ويتم احتساب هذه الأصوات عبر المكالمات الهاتفية وغيرها من وسائل التصويت، وهنا يكمن أحد التفسيرات لنجاح المغني الإسرائيلي، إذ من الأسهل بكثير أن يصوت الجمهور لصالح دولة ما، مقارنة بالتصويت صراحةً ضد دولة معينة.
فقد كان بإمكان مؤيدي مشاركة إسرائيل، سواء بدوافع سياسية أو لأسباب موسيقيةبحتة، التصويت بشكل موجه وبسهولة نسبيا، إذ يمكنهم الاتصال حتى عشر مرات من كل جهاز لصالح إسرائيل، بينما كان على المحتجين التنسيق فيما بينهم. وبمجرد توزيع الأصوات على دول أخرى بشكل عشوائي لم يكن ليُحدث تأثيرا يذكر. وبذلك كان أنصار إسرائيل في موقع أفضل.
أداء المغني الإسرائيلي نعوم بيتان الجيد والعرض الفني المرافق للأغنية كان مقنعا وساهم في فوز إسرائيل بالمركز الثاني في يوروفيجن 2026صورة من: Tobias Schwarz/AFP
ولهذا السبب أيضا حصلت إسرائيل في التصويت الجماهيري وحده على المركز الثالث بواقع 220 نقطة، خلف رومانيا (232 نقطة) والأغنية الفائزة من بلغاريا (312 نقطة). وفي ست دول، من بينها ألمانيا، نالت إسرائيل أعلى تقييم من الجمهور وهو 12 نقطة.
في العام الماضي أيضا حققت إسرائيل نتائج قوية في التصويت الجماهيري في المسابقة، إذ حصلت على أكبر عدد من أصوات المشاهدين بواقع 297 نقطة. آنذاك كان لا يزال يسمح بالتصويت حتى 20 مرة من كل جهاز. وتظهر بيانات التصويت التفصيلية لعام 2025 كيف يمكن لعدد قليل نسبيا من المتصلين أن يمنحوا بلدا معينا عددا كبيرا من النقاط.
ففي العام الماضي، حصلت الإسرائيلية يوفال رفائيل بأغنيتها “A New Day Will Rise” على نحو 33,3 بالمئة من جميع أصوات التصويت الجماهيري في إسبانيا. وجاءت أوكرانيا في المركز الثاني داخل التصويت الإسباني بنسبة 6,7 بالمئة فقط. ووفقا للحسابات، كان يكفي نحو 2400 شخص في إسبانيا، إذا استخدم كل منهم كامل أصواته العشرين لصالح إسرائيل، للوصول إلى هذه النتيجة الواضحة. ولهذا السبب أيضا تم تقليص عدد الأصوات الممكنةفي نسخة هذا العام إلى عشرة.
حملات دعائية قوية وأداء فني مميز
وقد يكون سبب آخر للأداء القوي في التصويت الجماهيري هذا العام والعام الماضي هو الحملات الدعائية للأغاني الإسرائيلية. فبحسب تقارير إعلامية، قامت الحكومة الإسرائيلية في عام 2025 بنشر العديد من الإعلانات عبر الإنترنت بعدة لغات، تدعو فيها إلى استخدام جميع الأصوات العشرين لصالح إسرائيل.
وفي هذا العام، مُنعت الدعوات التي تروج بشكل صريح للتصويت المتكرر لصالح دولة واحدة فقط. ومع ذلك، ظهر في أوائل مايو/ أيار إعلان على منصة يوتيوبلعدد كبير من المستخدمين، دعا فيه المغني الإسرائيلي نعوم بيتان إلى استخدام جميع الأصوات العشرة لصالح إسرائيل. وقد وجه الاتحاد الأوروبي للبث (EBU)وهو منظم المسابقة، إنذارا للقناة الإسرائيلية “كان” بسبب ذلك، فتم حذف الفيديوهات لاحقا.
غير أن نجاح الأغنية الإسرائيلية لا يفسر فقط بالعوامل الخارجية، بل يرتبط أيضا بالعمل نفسه، إذ كان مناسبا بطبيعته للمسابقة. فبغض النظر عن اختلاف الأذواق، كان أداء بيتان مقنعا من الناحية الغنائية، كما كان العرض البصري المرافق للأغنية والذي تضمن ماسة ضخمة، متناسقا وجذابا. وقد انعكس ذلك أيضا في نتائج لجان التحكيم، إذ حصلت إسرائيل على نقاط متفرقة من العديد من الدول، بينها ثلاث نقاط من ألمانيا. وفي المجمل، احتلت إسرائيل المرتبة الثامنة في تصويت لجان التحكيم برصيد 123 نقطة، وهو ترتيب جيد.
جدل حول النتيجة وارتياح لدى الجهة المنظمة
وبشكل عام، شهدت نسخة هذا العام عددا كبيرا من المشاركات القوية تقنيا، وهو ما انعكس في نتائج تصويت اللجان. فباستثناء بلغاريا التي تصدرت هذا التصويت بـ204 نقاط، تقاربت نتائج الدول الأخرى نسبيا: أستراليا والدنمارك في المركزين الثاني والثالث بـ165 نقطة لكل منهما، تليهما فرنسا (144 نقطة)، وفنلندا(141)، وإيطاليا (134)، وبولندا(133)، قبل أن تأتي إسرائيل بـ123 نقطة.
وقد ساهم هذا التوزيع أيضا في تعزيز الموقع النهائي الجيد لإسرائيل. فعندما تكون الفروقات في نقاط تصويت لجان التحكيم صغيرة، تستفيد الدول التي تحقق نتائج قوية جدا في التصويت الجماهيري، إذ لم يكن على إسرائيل تعويض سوى عدد محدود من النقاط. وبذلك، وبعد حصولها على 123 نقطة من لجان التحكيم وإضافة 220 نقطة من التصويت الجماهيري، وصلت إلى مجموع 343 نقطة، لتحل في المركز الثاني في الترتيب النهائي.
غير أن التعامل مع هذه النتيجة يبقى سيفا ذا حدين. فمن المرجح أن الاتحاد الأوروبي للبث (EBU) شعر ببعض الارتياح لعدم فوز إسرائيل بالمسابقة. فلو فازت، لكانت ستثار عدة تساؤلات من قبيل: هل يمكن تنظيم نسخة 2027 في إسرائيل؟ وهل كانت ستندلع احتجاجات جديدة في حال فوزها؟ وهل كان المزيد من الدول ستقاطع المسابقة؟
من ناحية أخرى، يشكك فولكر بيك، رئيس الجمعية الألمانية-الإسرائيلية، في اعتبار فوز إسرائيل تهديدا لمسابقة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن”. وقال “ليس فوز إسرائيل هو ما يضر باليوروفيجن، بل الفكرة القائلة إن نتيجة تصويت ديمقراطية لا تقبل إلا إذا لم تفز إسرائيل”. وأضاف “لا ينبغي أصلا أن تصبح محاولات إقصاء إسرائيل عبر مقاطعات ثقافية من المنافسات والمنصات الدولية أمرا مقبولا”.
تحرير: عبده جميل المخلافي
