Published On 19/5/202619/5/2026
|
آخر تحديث: 12:59 (توقيت مكة)آخر تحديث: 12:59 (توقيت مكة)
“إنه لوضع مأساوي ومؤسف للغاية، أليس كذلك؟ أن تتحول مهرجانات السينما فجأة إلى المكان الوحيد الذي يمكن للناس فيه الحديث عن الحروب والنزاعات وحروب الإبادة الجماعية، وكأنها ستُحل هنا!”. بهذه الجملة الافتتاحية الصادمة، بدأت النجمة الأسترالية الحائزة على الأوسكار كيت بلانشيت حوارا مفتوحا في الدورة الـ79 لمهرجان كان السينمائي (مايو/أيار 2026)، في جلسة بدت أقرب إلى توبيخ علني لعجز السياسة من كونها لقاء فنيا تقليديا.
بلانشيت عبرت عن غضبها من انسحاب المؤسسات السياسية من واجباتها، قائلة إنها تتمنى لو كانت جلسات المساءلة في برلمانات العالم “أكثر نزاهة وصدقا وتعمل بجدية نحو إيجاد حلول حقيقية”، بدل أن تتحول المهرجانات إلى المنصة الوحيدة التي تناقش فيها الحروب وجرائم الإبادة.
اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list
وأشارت إلى أن ما يحدث اليوم “مروع ويدعو إلى الاستشاطة غضبا”، مؤكدة أن من الضروري إبقاء القضايا الكبرى تحت رادار الرأي العام العالمي، وعلى رأسها الإبادة الجماعية في فلسطين وسائر النزاعات التي يدفع المدنيون ثمنها.
مي تو.. “حركة قُتلت سريعا”
بعد حديثها عن الحروب وتقصير السياسة، انتقلت بلانشيت إلى معركة أخرى داخل بيتها المهني نفسه: هوليود. هناك وجهت انتقادا لاذعا للطريقة التي جرى التعامل بها مع حركة “#مي تو” (#MeToo) المناهضة للتحرش والانتهاكات الجنسية.
وقالت إن الحركة “قُتلت بسرعة كبيرة” داخل المنظومة، وإن الزخم الذي أحدثته قبل سنوات تعرض لضربة ارتداد سريعة.
وتساءلت “هناك كثيرون ممن لديهم منصات قوية، يمكنهم أن يتكلموا بأمان نسبي ويقولوا: حدث هذا معي. لكن عندما تقول المرأة العادية في الشارع: أنا أيضا (MeToo)، لماذا يُغلق هذا الباب؟”.
بالنسبة لبلانشيت، الإشكال ليس في نقص القصص أو الشهادات، بل في بنية قوة تتيح للنجمات الحديث، بينما تخنق أصوات النساء الأقل نفوذا في الكواليس والوظائف الهشة، في السينما وخارجها.
فجوة الأرقام في “كان” وهوليود
تصريحات بلانشيت في كان هذا العام أعادت إلى الذاكرة وقفتها الشهيرة على السجادة الحمراء للمهرجان نفسه عام 2018، حين قادت احتجاجا نسويا صامتا وهي تشغل منصب رئيسة لجنة التحكيم.
وقتها صعدت برفقة 81 امرأة من صانعات الأفلام إلى درج قصر المهرجانات (Palais des Festivals) لتعلن بالأرقام أن 82 مخرجة فقط شاركن في المسابقة الرسمية للمهرجان منذ تأسيسه وحتى ذلك التاريخ، مقابل 1866 مخرجا من الرجال.
اليوم تقول بلانشيت إن هذه الفجوة في تمثيل النساء لا تزال ملموسة في حياتها اليومية داخل مواقع التصوير، مضيفة “ما زلت حتى اليوم أقوم بعد الرؤوس كل صباح في مواقع التصوير، أجد نحو 10 نساء مقابل 75 رجلا”.
ثم تكمل بنبرة تجمع بين السخرية والمرارة “أنا أحب الرجال، لكن ما يحدث حين تصبح بيئة العمل متجانسة هو أن النكات نفسها تتكرر. عليك أن تحصني نفسك قليلا، وأنا معتادة على ذلك، لكن الأمر يصبح في النهاية مملا للجميع”.
كيت بلانشيت تقود احتجاج 82 على انحرافات هوليودية (غيتي)بين السينما والسياسة.. من يملك حق الكلام؟
أهمية هذه الشهادة لا تأتي فقط من كون بلانشيت نجمة بارزة حاصلة على جائزتي أوسكار وثلاث جوائز بافتا، بل من موقعها الهجين بين الفن والسياسة، فهي ممثلة ومنتجة ومخرجة مسرحية، وأيضا سفيرة للنوايا الحسنة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR).
هذا الموقع يسمح لها بأن ترى تناقضين في الوقت نفسه: عالم سياسي يتراجع عن قول الحقيقة ومواجهة الإبادة والحروب بشكل مباشر. وصناعة ترفيه تتبنى خطابا تقدميا في العلن، لكنها تقاوم ببطء -من الداخل- محاولات تغيير بنية السلطة والتمثيل، سواء تعلق الأمر بالنساء داخل هوليود أو بالفئات المهمشة التي يتحدث عنها الفن على الشاشة.
في هذا السياق، تبدو جملة بلانشيت الافتتاحية عن تحول المهرجانات إلى مساحة شبه وحيدة للحديث عن الحروب، بما فيها حرب الإبادة في فلسطين، جزءا من نقد أوسع: الفن لا يجب أن يكون بديلا عن السياسة، بل عاملا ضاغطا عليها. وحين يصمت البرلمان وتخفت المحاكم، يصبح عبء الحقيقة أكبر بكثير على أفلام المهرجانات وخطب النجوم.
شهادة من داخل البيت
من هنا تكتسب كلمات كيت بلانشيت في كان 2026 وزنها، فهي ليست تصريحات عابرة على هامش سجادة حمراء، بل شهادة من فنانة تتحرك داخل النظام وتقر من موقع القوة بأن: النظام السياسي العالمي يخذل ضحايا الحروب والإبادات. والنظام الترفيهي الذي قدم نفسه كحليف لحركة (#MeToo) بدأ يتحايل على مطالب التغيير العميق.
وبين فلسطين و”#مي تو”، تقول بلانشيت عمليا إن معركة الخطاب لا تقل شراسة عن معركة القانون، وإن ما لا يقال في البرلمانات بات يقال مضطرا على منصات السينما، في إشارة لا تخلو من سخرية مرة من عالم يفضل أن يسمع الحقيقة في قاعة عرض، لا في قاعة تصويت.
