
منذ أرسطو لم يعرف العالم العربي، بالترجمة أو النقد، كتابا يبحثُ في المأساوية، وها إننا بعد قرنين من معرفتنا بالمسرح، ما زلنا نفسر التراجيديا من منطلقات فكرية غربية، لا عربية، هي مفاهيم وآراء تعد التراجيديا وليدة التحولات المفصلية التي تتبلور بين يدي الكاتب في النص المسرحي معاناةً حادة تحت سلطة الأقدار، لكن لنا في المقابل أن نتأولها من المنظور العربي، الذي لا ينكر العامل الخارجي، بل يندفع من الداخل أولا، من وعي الانسان المأساوي الذي هو موضوعة التراجيديا، من معاناته هو نفسه قبل كل شيء، ومن العمق الذي حفرته فيه حادثة ما، لا احتمالات للخلاص من آثارها مهما طال الزمن .
ننطلق في ما سقناه من كتاب العلامة أنطوان معلوف المعنون «المدخل إلى المأساة (التراجيديا) والفلسفة المأساوية» (مكتبة لبنان ناشرون 2009) الذي لا نعلم له مثيلا عربيا في تناول المأساة، منظورا أو رؤية أو فلسفة، إلا في مقالات قليلة منثورة هنا وهناك، لم تفِها حقها من الدراسة المفاهيمية حتى اليوم.
في المفهوم الغربي، ليس الكاتب رجل مأساة بالضرورة، فقد يكتب التراجيديا وهو لا يعانيها شخصيا، وهي في الغالب أسطورة من حكاية خيالية وإن نبتت من وقائع إنسانية مضطربة، أما في المفهوم الشرقي، فيراه معلوف وليد تجربة شخصية أليمة وقعت له، وغدت المعيار في إنتاجه لنص تراجيدي، وهو في ذلك لم يتلبث على التنظير فحسب؛ فمعلوف رجل حزن من صغره، وعى المأساة فتياً من تجربة شخصية مؤلمة فقد فيها أخاه البكر جان، فجأةً عام 1957 في أول لقاء له مع الفاجعة، أثر فيه جدا، وكانت لحظة تحول في حياته، مؤكداً أن المأساة تنطلق من الذات، لا من الآخَر المضاف إلى جملة مندرجاتها كما يقول التنظير الغربي، مهما كانت صفته الاعتبارية، حيث نلاحظ هنا، أن معلوف بهذا التصور، ورغم إيمانه المسيحي، لم ينظر للتراجيديا من عقيدته الدينية، التي قد تحمل حساسية من بُعد أيديولوجي في البيئة العربية، ففي ذلك مجازفة وخفة في مقاربة الموضوع، وكيلا يُضعف من أهميتها على خشبة شرقية نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى، كعقيدة خلاص وإعادة بناء يتساوق، عفواً أو قصدا، مع مفهوم الصلب الذي يعني القيامة في المسيحية، بعيداً من كليشيهات الفوضى التي كرسها المفهوم الغربي للمأساة، التي تنتهي غالبا بالكآبة والموت، والتي من المفارقات أن بعضها انبثق من أقلام كتاب لم يعانوا المأساة حقا؛ فانظُر إلى سوفوكليس وقد عاش 90 عاما (القرن الخامس قبل الميلاد) وتولى مناصب عليا سياسية وعسكرية، حالا دائماً في طليعة كتاب المسرح اليوناني في زمنه، فأنتج أكثر من مئة مسرحية، المحظوظ جدا، والذي عاش سعيداً جدا، وسعيداً دائما، فمن أين جاءه الوعي المأساوي ليكتب أروع التراجيديات المكتملة في تاريخ البشرية: أوديب الملك، وأنتيغوني؟ وكيف لهذا الرجل المخضرم الناجح، رغيد العيش بلا مصائب ولا أحزان، أن يدبج مآسٍ غاية في الروعة لغةً وحكمة، رأى فيها أرسطو تراجيديا بالغة المثالية وبنى عليها كتابه «فن الشعر»؟

إن حياة الكاتب الشخصية السعيدة مثال سوفوكليس زائد تبني الموضوعة الأسطورية الدينية، جعلا من التراجيديا اليونانية وما يقلدها عربيا، أقرب إلى العرض الفانتازي منه إلى المأساوي لدى النظارة، وهذا ليس مبالغة؛ فأين الجدية في تضحية أغاممنون بابنته إفيجينيا حتى ترسل الآلهة الهواء لينفخ في أشرعة أسطوله كي يبحر إلى طروادة؟ وكيف نرى إلى «أغاممنون» نفسه بطلا أسطورياً في حرب طروادة وهو يعود بعد 10 سنوات من البطولات ليجد زوجته قد تزوجت من عشيقها «إيجست»، بل انتهى به المطاف أنها قتلته في الحمام؟ وكيف نستسيغ أن أهل «طيبة» نصبوا «أوديب» ملكاً لأنه حل «الحزورة»، التي طرحها عليه أبو الهول، بل إن الأخير خرّ مندحراً عن الصخرة بسبب حل تلك الأحجية؟ إنها وضعيات بعيدة من إمكانات التراجيديا العربية، القائمة على تحالف الوعي المأساوي للكاتب وهو يقدم لنا شخصية هي ضحية أزمة وجودية ما من خارج الأسطورة، مع الموضوعة الواقعية التي عايشها، أو خبرها عميقاً بالأصالة عن نفسه ومِن حوله، ففي «أوديب الملك» اليونانية، مثلا، تظهر المأساة كفعل قدري إلهي، انطلقت من العالم الآخر، الآلهة، الأساطير إلخ، لا من ذاته، وما كتبه سوفوكليس ليس مأساة خاصة، شخصية، ذاتية، أما في «الإزميل» العربية (مأساة كتبها معلوف 1963) فالمأساة خاصة شخصية، ولذلك نحن نرى أن نهاية الأولى خارج منطق الفعل الإنساني، أما في الثانية فداخله.
نسارع إلى القول، إننا لا نبحث في كفاءة النص التراجيدي الفنية، وإنما في مرجعيته الاجتماعية، وأحد وجوهها حاجة المتفرج النفسية أو الجمالية للمأساة. فلسفة معلوف المأساوية تصب في خانة إصلاحية، تجعل الإنسان كائناً من خُلق سامٍ وحضور روحٍ بشرية رائقة، لا من كونه صاحب مقامٍ طبقي اكتسبه، على الأغلب بصدفة الأقدار، نعني بذلك ولاية عهد، أو وراثة ملكية، أو بالتآمر والتقلب بين بلاطٍ وبلاط للفوز بالسلطة، كما في معظم التراجيديات الغربية الكلاسيكية المعروفة، وفي ذلك ما يحرر الكاتب من تقاليد الكتابة الغربية، وهو بهذا المعنى، يمكن أن يجد صداه عالمياً في عصر الانتشار السريع للأفكار، فالتراجيديا، بالمفهوم المعلوفي، ليست حكراً على النخبة من علية القوم والمنزلة الرفيعة، وموتُ ملك قد يشكل مأساة كموت أجير، انطلاقاً من صفاتهما الإنسانية، فكلاهما خير ومرشح ليكون بطل مسرحية، ونحن، كما يرى أرسطو نفسه، لا نحزن على الشريرين، كما أن مفهومنا هذا يستهدف تقليص الهوة الطبقية في مجتمعاتنا إلى حد كبير، في مقابل المفهوم الغربي الذي يركز على البطل الأوحد، ويهمل، بل يحتقر أحياناً من دونه من البشر ولو كانوا شركاءه أو ضحاياه في المأساة، طبقية فجة قاسية يدفع ثمنها المنسيون والمقهورون في الأرض، كما أن نقل المأساة من خشبة النخبة إلى خشبة الجماهير، تمزج بين بعدها الفلسفي وجماليات نوعها الأدبي الذي لا يبتعد بالضرورة من معايير أرسطو، ويقترب جداً من البعد الأخلاقي المستلهم من بيئتنا، ما يفتح لكتاب المسرح اليوم أن يستقوا مسرحياتهم من مقاربات وأفكار التراجيديا الجديدة، وتطويعها دراماتورجياً بما يتلاءم وذوق الجمهور، ضمن مناخ عصرنا، فتغيب عنها الغيبيات، وتحل فيها أفعال الإنسان نفسه.
ما سقناه يؤكد أن وعي المأساة في منطلقات الفكر العربي متقدمة جدا عليها في منطلقات الفكر الغربي، وفي الأولى يرتبط مصير الإنسان بالقدر الإلهي فلا مفر منه ولا مقارنة بين قدرة الإنسان الضعيف وقدرة القوي جدا، ولذلك نجد أن الكاتب ليس معنيا بالمباشر بهذا القدر الذي يتخذ صيغة الأسطورة في الغالب، والذي لا يؤثر فيه عضوياً ونفسيا، أما في الثانية فيرتبط بقدر من نوع آخر، بالفعل البشري نفسه ( أزمات سياسية، اجتماعية، ديكتاتورية، تخلف، حروب، أوبئة…)، أي الاحتكاك بالآخر لزوماً وضرورة، ما يجعل الكاتب الابن العضوي والنفسي لهذا الفعل البشري، صاحب رؤيا مأساوية حقيقية، وابن تجربة تتفجر منها فنية نصه المسرحي. إن معلوف يفتح الباب واسعاً لتحرر التراجيديا العربية من الأسطورة الدينية، إلى الفضاء الإنساني الرحب، مع الحفاظ على البُعد النفسي في معالجة العرض وتطوره وارتباطه بالجمهور، وما تسوقه هذه التراجيديا، يمكن البناء عليه في تأصيل مفهوم عربي للمأساة، وسمو البطل التراجيدي من كينونته، لا من الآلة الإلهية التي يستغلها الغربي كي يعزز ملكيته لهذا النوع المسرحي إلى الأبد، والتراجيديا العربية، مهما كانت كلاسيكية، تظل ذات أسس بدئية متينة، خصيبة البذور، صالحة للتأسيس عليها اليوم وغداً وإلى أجيال لاحقة، تتواشج مع ما تمر به شعوبنا من أزمات وجودية، إذا ما تهيأت لها الظروف والعقول الواعية، وما أنطوان معلوف، رائد النص اللبناني الجاد وعرابه المأساوي، إلا السادن الأمين على إمكانات التراجيديا في العالم العربي حتى اليوم، والذي كان هاجسه ولا يزال كتابة مآس بالعربية، وقد فعلها في غير نص مسرحي منها: «البعل» (1961)، «بابل» (1962) «جاد» (جائزة الاونسكو – باريس للمسرح 1970) «عنتر وعبلة» (1990 ) وهي أول أوبرا من نوعها في العالم العربي.
كاتب لبناني
