إنه موسم معارض الكتب في المنطقة، وبعضها مجرّد دكاكين صغيرة لا همّ لها سوى البيع، وقليلها يسعى إلى تحقيق الهدفين معاً: البيع وترويج الإصدارات الجديدة، وإيجاد فضاءات حوار تُستضاف فيها شخصيات عامة ومفكرون يتحدثون في الراهن العام، ما يجعل من هذا الصنف من المعارض محجاً يُزار ويُحتفى به.
نقول هذا وواقعة رفض الروائي الجنوب أفريقي جيه. إم. كويتزي حاضرة ولافتة على أكثر من صعيد، فقد دُعي الحائز جائزة نوبل في الآداب عام 2003 إلى المشاركة في مهرجان القدس الدولي للكتاب، فرفض. ولم يكتفِ بهذا، بل قدّم مرافعة أخلاقية نادرة في دلالاتها، خصوصاً أنها كانت مراجعة جذرية لمواقفه السابقة من إسرائيل.
نال كويتزي جائزة القدس عام 1987، ولم يرفضها آنذاك، بل تسلّمها، ما دفع كثيرين إلى التساؤل عن التناقض العميق، وربما البنيوي، في مواقف صاحب “في انتظار البرابرة” وإبداعه، فكيف لمن كتب رواية مذهلة في تجلياتها الإبداعية ورصدها آليات القمع والتوسع الاستعماري وإيجاد الذرائع لإبادة العدو والاستيلاء على أراضيه أن يصافح ممثلي دولة تقوم بذلك حرفياً؟
في رفضه أخيراً المشاركة في مهرجان القدس، ينتصر كويتزي لإبداعه وما يتضمنه من رؤى ورسائل لا تقتصر على المجال الإبداعي. يذكّر صاحب “العار” بحملة الإبادة في قطاع غزّة على مدار عامين. يقول إنها (الإبادة) حظيت بتأييد غالبية سكّان إسرائيل، ما يجعلها حرب الجميع، والحال هذه لا يمكن لأي قطاع في هذا المجتمع، بما فيه نخبه الفكرية والثقافية، أن تتنكّر لمسؤولياتها عن “الفظائع” المرتكبة في غزّة.
يشدّد كويتزي على أن إسرائيل تحتاج سنوات طويلة لغسل عارها هذا، وأنه إلى وقت قريب كان من مؤيديها، وعليه زار القدس وتسلّم الجائزة الإسرائيلية التي تحمل اسمها، لكنه، في الأثناء، كان يراهن على أنه سيأتي اليوم الذي يغيّر “الشعب” الإسرائيلي موقفه، ويحقق نوعاً من العدالة للشعب الفلسطيني الذي استولوا على أرضه، لكنّ هذا لم يحدث. … “لقد غيّرت إبادة غزة كل شيء”. لن أذهب.
ألم يكن بإمكان أي من معارض الكتاب العربية أن تستضيف الرجل في معركة الروايات الكبرى في المنطقة والعالم؟ هل تكلّف دعوته شيئاً، أم أن هاجسها بيع الكتب والربح فقط؟ … يُعتبر كويتزي من أهم روائيي العالم. مبدع منقطع عن العالم، يحفر في أعقد قضاياه، من العنصرية إلى الهيمنتين، العرقية والاستعمارية، ما يجعله هدفاً ثميناً يسعى كثيرون من ذوي القضايا العادلة لكسبه إلى صفهم، لكن قومي لا يعلمون.
عندما منحته إسرائيل جائزة القدس في ثمانينيات القرن الماضي، قالت اللجنة المعنية بالترشيح ومنح الجائزة إن اختياره كان لمعارضته الشديدة الفصل العنصري والاضطهاد بأشكاله كافة، وإنه يجمع في كتاباته بين حساسيته البالغة إزاء الوضع الإنساني وأسلوبه النثري القوي الذي يدين قسوة الإنسان على أخيه الإنسان.
ألا تفعل ذلك إسرائيل تحديداً؟… كتب كويتزي روايته “في انتظار البرابرة”، وعنوانها مأخوذ من قصيدة بالاسم نفسه للشاعر اليوناني كونستانتين كفافيس (كفافي)، بل تكاد الهواجس بين النصّين تكون واحدة. تقوم فكرة الرواية على فكرة صناعة العدو لتبرير القمع والاضطهاد والإبادة، فثمة إمبراطورية لا تكتفي بأنها قوية ولا تتعرّض للتهديد، فتُحدث خطراً داهماً على جوارها من قبائل بدوية مسالمة كانت هذه الإمبراطورية نفسها قد استولت على بعض أراضيها. ينظر الضابط الذي بعثته الإمبراطورية إلى بلدة نائية على الحدود، فلا يرى إلا العدو المفترض، وعليه أن يخلقه لأنه غير موجود، ويقمعه ليبرّر وجود نفسه وربما للحفاظ على الدور الوظيفي للإمبراطورية الأم. في مقابله، ثمة قاضٍ يدير تلك البلدة الحدودية ويتنازعه شعوران قويان: ولاؤه للإمبراطورية، وتعاطفه الأخلاقي مع ضحيتها التي لم تفعل شيئاً لتُباد ويُنكّل بها.
رواية بديعة، آسرة، تحفر عميقاً في النفس الإنسانية، وتُعرّي آليات الهيمنة والاستعمار، تنطبق تماماً على إسرائيل التي منحته جائزة القدس لحساسيته البالغة إزاء هذه النمط من الاستعماري المتوحش الذي تعتبر هي آخر نماذجه في العالم المعاصر.
وإذ نزجي التحية لمراجعات كويتزي أكثر من رفضه زيارة إسرائيل، نتمنّى لو تابعنا ندوة، ولو صغيرة، تتناول تجربته الإبداعية في أيٍّ من معارض الكتاب العربية، أو حتى ملصق كبير له بالقرب من أي دار نشر تعرض أعماله، وهذا أضعف الإيمان.
