لا يُحصَى عدد الأفلام التي تدور حول آباء وأمّهات يحاولون عبثاً تقبّل أبنائهم والتماهي مع خياراتهم، لكن نادراً ما يُقلَب هذا المنظور: الأب الذي يخرج عن الصورة المألوفة، والابن الذي يضطر إلى إعادة ترتيب نظرته إلى مَن ربّاه. هذا الانزياح هو ما يقدّمه المخرج الشاب توم فونتونيل في فيلمه “قلب سري” المعروض ضمن قسم”أسيد” داخل مهرجان كانّ السينمائي (12 – 23 أيار/مايو).
كان يمكن الحكاية أن تُدفن في صمت العائلة كما يحدث في سياقات اجتماعية أخرى، لكنها تتّخذ هنا مساراً مختلفاً، فتُروى وتُوثَّق وتُعرَض، بما يتيح لها أن تتحوّل إلى تجربة سينمائية.
ينتمي الفيلم إلى ما بات يُعرف بـ”الوثائقي العائلي”، يضع فيه المخرج الكاميرا في مواجهة والده، رجل في الرابعة والستين، يعيش تحوّلاً داخلياً عميقاً، يبدأ بارتداء ملابس نسائية والتشبّه بالنساء، وصولاً إلى رغبة معلنة في الانتقال إلى هوية أنثوية، بكلّ ما يستتبع ذلك من تغيّرات في الشكل والتمثّل الاجتماعي.
تبدأ الحكاية بعد وفاة الزوجة، أي والدة المخرج، لحظة تُشكّل منعطفاً حاداً في مسار الأسرة. فغيابها يفتح مساحة من التحرر التدريجي أمام لوك، الذي كان قد بدأ قبل نحو أربع سنوات رحلة تصالح مع شعوره الداخلي بهويته الأنثوية، حتى في الفترة التي كانت فيها زوجته لا تزال حية.
لا يخرج الفيلم عن كونه متابعة دقيقة ليوميات لوك الذي يصبح ليلو: تفاصيل عادية في ظاهرها، لكنها مشحونة بدلالات. نراه يطبخ، يعتني بحديقته، يمرح بخفّة أقرب إلى العبث، يزور أحفاده، وفي الأثناء يفتح نوافذ صغيرة على ما يعتمل داخله من أسئلة وتأمّلات واعترافات. هذا التوازي بين العلني والباطني، أحد مصادر سحر العمل. يتشكّل التعاطف معه لقطة بعد لقطة، حتى نصير أقرب إلى ليلو ممّا نتوقع.
ومع هذا التراكم، يبث الفيلم إحساساً مراً في الخلفية: نحن أمام رجل انتظر حياةً كاملة، ستة عقود تقريباً، كي يبدأ في الاقتراب من ذاته الحقيقية.
لـوك له ولدان: المخرج نفسه، وابنة تبدو علاقتها به أكثر تعقيداً. الابن يتعامل مع التحوّل بنوع من القبول الحذر، فضول ممزوج برغبة في الفهم والتوثيق، وكأن ما يجري أمامه مادة تستحق أن تُسجَّل وتُطرَح للنقاش. وهذا ما يفعله فعلاً، عبر الكاميرا والسرد. أما الابنة، فتدخل من زاوية فيها الكثير من الحدّية. مواجهتها للأب لا تترك مساحة كبيرة للسماح، إذ تتّهمه بالأنانية، وبعدم التفكير في ولديه، مما يجعلها تشعر بالألم والاهمال. في المقابل، يدافع لوك عن نفسه من موقع ضعيف، مؤكّداً أنه لم يتعلّم يوماً التعبير عن مشاعره، وأن صمته ليس إنكاراً بقدر ما هو عجز متراكم.
تضع الابنة والدها أمام “الحقائق الأربع”، وهكذا يتحوّل العمل إلى معاينة لمعنى العائلة حين تتغير قواعدها من الداخل.
يولد الوالد مراراً في نظر ولديه، وبالتالي في نظرنا نحن كمشاهدين. فنحن لا نعرفه معرفة شخصية بقدر ما نراه يتشكّل عبر عيون الابن والابنة، ومع كلّ تحوّل في علاقتهما به تتبدّل صورتنا عنه أيضاً. في هذا المعنى، يكشف العمل عن طبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء كعلاقة تفاعلية في الأساس. فكلّ طرف قادر على تعديل موقع الآخر، وعلى دفعه إلى مراجعة اقتناعاته، كما أن كلّ طرف مضطر، في لحظة ما، إلى التنازل قليلاً كي يلتقي بالآخر في منتصف المسافة. هذا ليس صراعاً بقدر ما هو تفاوض دائم على مفهوم القرب. هكذا، تتجاوز أهمية الفيلم كتجربة سينمائية، ليصبح اختبارا حقيقيا لإمكانات التقارب داخل العائلة. فقبل هذا الفيلم، لن تكون العلاقة كما بعده، من حيث إعادة التفكير في ما يمكن أن يعنيه “الفهم” داخل البيت الواحد.
صحيح أن الفيلم يستفيد من المناخ الثقافي الراهن الذي يشجّع على البوح وإعادة مساءلة الهويات، لكنه يظلّ بعيداً عن أي نزعة إيديولوجية صلبة. فشخصية لوك نفسها ليست نموذجاً تحررياً، ذلك انه رجل تقليدي ينتمي إلى رؤية قديمة للعالم، خصوصاً في ما يتعلّق بالجنس.
في دورة كثيراً ما أشير فيها إلى الثمن الذي يدفعه الأبناء نتيجة خيارات الآباء، يتركنا الفيلم أمام سؤال: إلى أي حدّ ينبغي للأب أن ينكر ذاته ورغباته ومشاعره، حرصاً على ما يُفترض أنه “سلامة” أبنائه؟
