آلي سميث في مهرجان ليتراتور الدولي في روما، 8 يوليو 2025 (Getty)
بعد وصولها إلى القائمة القصيرة ضمن جائزة البوكر الدولية لهذا العام، لا تستعيد رواية الكاتب الألماني النمساوي دانييل كيلمان “المُخرِج” (ريفرن، لندن، 2025) صورة البروباغندا النازية فحسب، إنما تكشف كيف نجت الدعاية بعد سقوط الشموليات الكبرى، لتعود اليوم بأقنعة أكثر نعومة وذكاء عبر الرغبات والاستهلاك، ووهم الحرية الذي قد يجعل الإنسان يشارك في أجنداتها ضد نفسه.
تتناول الرواية جانباً من القصة الحقيقية لحياة المخرج النمساوي جورج فيلهلم بابست (1885-1967)، الذي عاش حياة مثيرة حيث عاصر الحربين العالميتين، وهرب عام 1933 من ألمانيا بعد سقوط جمهورية فايمار الديمقراطية ووصول هتلر إلى الحكم، فاستقر مدة في الولايات المتحدة وحاول العمل في هوليوود، إلا أنه لم ينجح هناك، لتبدأ ظروفه بالتعقيد بعد عودته إلى النمسا عام 1939 قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية.
يصور دانيال كيلمان بطله في أميركا عالقاً ضمن مآزق عدة، منها ضعف لغته الإنكليزية، وعدم تأقلمه مع نمط الحياة من حوله، إضافة إلى قلقه من الطابع التجاري لسينما هوليوود وضغوط المنتجين، مما ولّد لديه شعوراً بالخوف من الفشل، لتشكل عودته لزيارة والدته المريضة فرصة للتفكير وتقييم تجربته في محاولة للبحث عن حلول، إلا أنه يقع في فخ الدعاية السياسية النازية بقيادة جوزيف غوبلز، بعد فشل محاولاته بمغادرة النمسا، وفيما استغل غوبلز إرث بابست السينمائي من أجل تزييف الوعي وتوجيه الجماهير ضمن برامجه لدعم سياسات هتلر، أخذ المخرج ينهار بعد إدراكه أن مسار إبداعاته الخاص وأحلامه قد زالا.
تكشف رواية كيلمان عن استغلال النازية إرث المخرج جورج بابست
يتعمق الكاتب في أزمة الفنان الذي يواجه ديكتاتورية لا تسمح له بالتعبير عن أفكاره في أعماله الفنية، كما لا تهتم بأن يؤمن الفنان بدعايتها، بل تعمل على توظيفه أداة لخدمة أجندتها، ليظهر المخرج في صور متناقضة، منها محاولته الحفاظ على القيم الفنية والجمالية العالية في أعماله، مقابل التواطؤ الأخلاقي الذي ينال منه ومن زوجته وابنه بسبب ذبول طموحات الأب، وتحوله إلى شخص مقموع ينفذ الأوامر، مما يفرض الكآبة والقلق والخوف على العائلة. أيضاً، يتمثل بابست بصورة الإنسان المهووس بفنه، غير العابئ بما يحدث حوله، إذ يرى أن تمرده أو اعتراضه لن يصنعا أي فرق، مما يقوده للصمت والالتزام بعمله فقط، آملاً أن ينجو فردياً بأفلامه وصولاً إلى فيلمه الأخير الذي يصوره في براغ عام 1945، وهو “قضية مولاندر”.
تحت القصف وتقدم القوات السوفييتية، يحاول بابست حتى اللحظات الأخيرة إكمال مونتاج فيلمه في المختبر وسط الانفجارات، ثم يهرب في أحد القطارات، إلا أن الفيلم يضيع في النهاية وسط الفوضى، ويموت المخرج بعد حين ويختفي العمل، مما يشكل رمزاً لضياع جهود الدعاية السياسية من ناحية، وتدميرها للفنان وأعماله من ناحية أخرى، وبانتهاء الحقبة القمعية للنازيين، يطال النسيان الكثير مما رافقها ثقافياً وأدبياً، وهو ما يجسده الكاتب عبر شخصية فرانتس فيلتشيك، مساعد بابست، الذي يسرد حكاية المخرج بعد عقود على وفاته، ويصر بسبب النسيان والخوف المتأصل في داخله على أن الفيلم لم يكن موجوداً من الأساس.
التكنولوجيا والقمع
رغم تميّز رواية كيلمان من خلال الموضوع الذي تقدمه، غير أنها مثل العديد من الأعمال الأدبية الأوروبية، تعود إلى الحقبة النازية من أجل الجدال حول قضايا القمع السياسي والحرية والتنوع الثقافي، وتستثني الدعاية السياسية التي تُستخدم اليوم بكل أشكالها لتبرير الجرائم في فلسطين مثلاً، أو لإضفاء الشرعية على الحروب.
تبين آلي سميث في “غليف” كيف تحوّلت اللغة إلى نظام مراقبة
تعالج الأعمال الأدبية والفنية موضوع البروباغندا اليوم من خلال التركيز على استخدامها أساليب أخرى، من أهمها إقناع الأفراد بأن لهم إرادة حرة في الاختيار، كما تطرحها رواية “غليف” (بانثيون، الولايات المتحدة، 2025) للكاتبة الاسكتلندية آلي سميث التي فازت بجائزة دبلن الأدبية منذ أيام. تصف الكاتبة عالماً ديستوبياً في المستقبل يخضع فيه كل من يعارض المجتمع، كما رسمته السلطة بأدواتها التكنولوجية وأفكارها السياسية والاقتصادية، إلى العزل والوضع في برامج إعادة تأهيل تتسم بالترويع والقمع، وتصل إلى القتل أحياناً. وتصور سميث الدعاية السياسية التي تعتمد تغيير معاني الكلمات لتحديد الأفكار وتشويه الحقائق، ومن ثم تحويل اللغة إلى نظام مراقبة لا وسيلة تعبير وتواصل إنساني حر، مما يقود إلى الفكرة المحورية للرواية، التي تتمثل في منع الناس من تكوين مبادئٍ وقيم راسخة تمكنهم من الاستقلال بآرائهم وتفضيلاتهم والبحث عن مزيد من الحرية.
نجاة الإبداع من الاستبداد
يشير الأدب إلى البروباغندا بوصفها أداة متغيرة يمكن أن تتخذ أشكالاً مختلفة، لكنها لا تزول بصورة نهائية، إذ تقدم رواية “حارس سطح العالم” للروائية الكويتية بثينة العيسى، (منشورات تكوين، 2019) وأعيد نشرها بالإنكليزية عام 2024، بيئة مستقبلية خاضعة لسلطة مطلقة قررت أن المخيلة الإنسانية هي أصل كل الشرور، فعملت على صياغة إنسان جديد مفرغ من الرغبات والأسئلة الوجودية، يعبر عنه بطل الرواية الذي يعمل رقيب كتب حكومياً يفحص المخطوطات، ويستبعد كل ما ينتمي إلى المعاني العميقة والتأويلات الفلسفية والإشارات الدينية، وتفاصيل الحرية الفردية، لإبقاء النصوص المقدمة إلى الناس سطحية، عبر إفراغ اللغة المتداولة من مضامينها، لسحق حريات الأفراد وتنميطهم.
تلتقي هذه الرواية مع الطرح الذي قدمه كيلمان وسميث، وهو أن الإبداع الفني أو الأدبي لا يمكن عزله كلياً عن مجاله الأخلاقي والسياسي والاجتماعي، وأن الادعاء باستقلالية الفن بوصفه يعبر عن المتعة والجمال ورغبات الفنان فقط، لن يسمح بنجاة الإبداع الفردي في بيئة استبدادية، بل إنه ربما يكون الخطوة الأولى نحو التواطؤ وخدمة البروباغندا الشمولية التي ربما تخلت اليوم عن المسميات الأيديولوجية الكبيرة، لكنها توجد في تفاصيل تساهم بالتحكم في حياة الكثيرين دون علمهم حتى، كما صورتها هذه الروايات.
