موقع غارة إسرائيلية في صور جنوبي لبنان، 28 مايو 2026 (كونت حاجو/ فرانس برس)

إسرائيل تدمر الجنوب اللبناني، تمحو قرى كاملة، وتسوي أحياء كاملة في الضاحية الجنوبية لبيروت بالأرض. أكثر من مليون مهجر. آلاف الشهداء والجرحى. بيوت ووجوه وذكريات اقتلعتها، وحتى قبور الموتى جرفتها. هذا بعض من صورة ما يعيشه لبنان. هذا بعض من صورة بلد تحت العدوان والاحتلال.

على بعض حسابات منصات التواصل الاجتماعي، الواقع مغاير كلياً. كل هذا التهجير، كل هذه الوحشية، كل هذا الموت، يصور كأنه مجرد إقامة، طالت قليلاً، داخل منتجع لعشاق “العودة إلى الطبيعة”. والخيمة؟ ليست مساحة لجأ إليها قسراً من دُمّرت بيوتهم تحت القصف، بل خيار لتجربة نوع أكثر “بساطة” من العيش.

تنشر إحداهن صوراً كيتشية لخيمتها. قليل من فيروز، قليل من فيودور دوستويفسكي، زهور وشموع، وابتسامات، وقليل من غوستاف لوبون، وتأمل، وإضاءة مدروسة، وحديث عن النضج الشخصي، وتعلم بساطة الحياة، واكتشاف العلاقة مع الله. وكأن إسرائيل لا تدمر بلادنا وتحتلها، بل أرسلت اللبنانيين إلى مخيم علاجي طويل لاكتشاف الذات.

أخرى تكتب منشوراً عن الراحة والرفاهية “غير المتوقعة” التي اكتشفتها بنزوحها إلى مدرسة. تقول إن الحياة مريحة لدرجة أنها وجدت فعلاً منزلاً لينتقل إليه والداها، لكنها “تفضل” البقاء هنا. وكأن القصف الإسرائيلي لم يدفع الناس إلى الاحتماء داخل المدارس، بل منحهم فرصة لتجربة نمط حياة جماعي أكثر دفئاً وأقل مادية.

المشكلة ليست في هذه المنشورات بحد ذاتها، بل في ما تكشفه عن لبنان كله. لا يكفي اللبناني أن ينجو فقط، بل على نجاته أن تبدو جذابة ومشتهاة. المصيبة يجب ألا تحرج الأسطورة اللبنانية القديمة عن شعب “مختلف” حتى أثناء انهياره. وهذا ليس جديداً على لبنان. هذا البلد يبدو منذ عقود مهووساً بالصورة التي يريد تقديمها عن نفسه.

منذ الحرب الأهلية نفسها، حين كانت بيروت تُقدَّم دائماً باعتبارها تعيش حروباً لا تشبه حروب الآخرين. هنا الحرب تصبح كأنها دعاية لجذب السائحين، فالمدينة تُقصف صباحاً وتسهر ليلاً. فيها صحافيون أجانب وفنادق وسهر ومقاهٍ وخمور وموسيقى. والمليشيات والقتل والخراب؟ مجرد استراحة بين سهرتين.

دائماً هناك إصرار هستيري على أن لبنان ليس مثل “بقية العرب”، وأن خرابَه أكثر “جاذبية”، ومأساته أكثر “تحضراً”، وأنه قادر دائماً على إنتاج صورة مشعة عن نفسه حتى وهو يحترق. واللبناني يريد أن يبقى مختلفاً حتى في انهياره، لأنه أكثر أناقة، وأكثر خفة، وأقل بؤساً.

ولهذا، حين نشر مصور صحافي أجنبي، قبل فترة، صور النازحين الواقفين في طوابير الطعام تعامل معها كثيرون، وبينهم صحافيون ومصورون صحافيون بالمناسبة، على أنها فضيحة، وتوالت الاتهامات إليه بـ”إذلال” البشر، و”استغلالهم”، والنظر إليهم “بعين الرجل الأبيض”.

هل فبرك المصور هذه الصور؟ لا. هل تشبه هذه الصور صوراً تلتقط من أي منطقة حرب؟ نعم. لكن يبدو أن المشكلة أنها جعلت اللبناني يبدو شبيهاً ببقية شعوب المنطقة، ويبدو أن هذه خطيئة. إذ يجوز للفلسطيني أن يظهر تحت الركام، ويجوز للسوري أن يبدو مدمراً، ويجوز للسوداني أن يظهر جائعاً. بل إن هذه الصور نفسها تُستعمل يومياً في الخطاب اللبناني بوصفها أدلة “أخلاقية” على الإبادة والحرب والمظلومية.

أما اللبناني، فلا. اللبناني يجب أن يبقى “غير” حتى أثناء انهياره وتهجيره وموته. كأن كل لبناني نصّب نفسه سفيراً لـ”بلد الرسالة” والمختار لحماية أسطورة الفينيق. احتراقنا ليس مشكلة، ولا تدمير مدننا وقرانا، ولا نهب أموالنا، ولا تهجير أهلنا، ولا حتى عيشنا في خيمة. كل هذه مجرد مكونات لإبقاء الأسطورة حية وللحديث عن قدرتنا المدهشة على النهوض دائماً. لكن ماذا لو أن المشكلة في هذا النهوض نفسه؟ ماذا لو أن “الفينيق اللبناني” ليس رمزاً للحياة، بل آلية إنكار جماعية؟ لماذا هذا الرعب من صورة الضحية؟

ربما لأن كل شيء في لبنان يتحول بسرعة إلى مادة للحرب الأهلية المؤجلة، حتى النزوح نفسه. لا أحد ينشر صورته بوصفه فرداً، بل ممثلاً لبيئته وطائفته وخياره السياسي. ولهذا يصبح الاعتراف بالألم أو الانكسار فضيحة، لأنه يبدو كأنه اعتراف أمام الخصم الداخلي أيضاً. ليست المشكلة فقط في أن إسرائيل هجّرت لبنانيين، بل في أن هناك دائماً لبنانياً آخر يراقب المشهد منتظراً لحظة الانكسار كي يحولها إلى إدانة سياسية وأخلاقية كاملة. لهذا يبدو كثير من هذا المحتوى موجهاً إلى اللبنانيين الآخرين أكثر مما هو موجهاً إلى إسرائيل. الرسالة الحقيقية ليست “لن تهزمنا إسرائيل”، بل “لن نعطيكم صورة الشماتة التي تنتظرونها”.

بعض خصوم حزب الله يفعلون الأمر نفسه ولو بأسلوب مختلف. حفلات وسهر وصور كؤوس ومطاعم أثناء الحرب، وتعليقات عن “الحياة التي يحبونها”. كل طرف يريد احتكار “ثقافة الحياة”، وكل طرف يتصرف كأنه الممثل الشرعي الوحيد للفرح والحداثة والعيش الطبيعي. لكن الاثنين يشتركان في خوفهما المرضي من صورة الهزيمة.

ولهذا تبدو الحرب في لبنان أحياناً كأنها حملة علاقات عامة أكثر من أي شيء آخر. ينبغي أن تنجو، أو حتى أن تموت، بطريقة لا تجرح الأسطورة اللبنانية عن نفسها، وعليك أن تكون “مرناً” دائماً. هذه الكلمة التي يرددها الصحافيون الأجانب والمنظمات الدولية واللبنانيون أنفسهم بإعجاب غبي، كأن المطلوب من هذا الشعب ليس أن يعيش بكرامة، بل أن يثبت باستمرار قدرته الخارقة على التكيف مع الإذلال.

ربما لهذا تبدو صور الحرب اللبنانية مستفزة إلى هذا الحد. لأنها لا تحاول إخفاء الخراب فحسب، بل إخفاء الحقيقة الأكثر رعباً بالنسبة إلى اللبناني، أي أن يكون هذا البلد عادياً، منكوباً، هشّاً، وشبيهاً ببقية هذه المنطقة التي أمضى عمره كله يحاول التميّز عنها.