الصفّ الأساسيّ الثامِن – برنامج اللغة العربيّة للمعفيّين مِن المَنهج الرسميّ – ALE
يومَ الثلاثاء 10 آذار 2026، في مدرسة الليسيه مونتاين بيت شباب، اجتمع تلامذة صف الأساسي الثامن ALE بالسيدة نور حبشي، معلّمة الموسيقى في مدرسة الحكمة الأشرفيّة، وطالبة الماجستير في جامعة الكسليك. تحدّثوا معها عن شخصيّة أثّرت كثيرًا في تاريخ لبنان الفنّيّ: إلياس الرحباني، بهدف التعرّف إليه وإلى أعماله، وكتابة تقرير صحافيّ عن مسيرته الفنّيّة. وقد اجتمعت السيّدة نور حبشي بالتلامذة لتشرح لهم أثر الموسيقى اللبنانيّة، وتأثير إلياس الرحباني، ثالث الرحابنة، فيها؛ إذ يُعتبر صلة وصل بين الموسيقى الشرقيّة والموسيقى الغربيّة.
وُلِدَ إلياس الرحباني عام 1938 في أنطلياس، في عائلة فنّيّة، إذ كان والده يعزف على آلة البزق. تعلّم أساسيّات الموسيقى والعزف على البيانو على يد أخته الكبرى سلوى، وبدأ بالعزف في الثالثة من عمره. وبعد وفاة والده، اهتمّ أخواه عاصي ومنصور بتربيته، فرافقهما في الحفلات الموسيقيّة، وشارك معهما في المسرحيّات الرحبانيّة.
وعلى رغم انتمائه إلى عائلة فنّيّة عريقة، تميّز إلياس بأسلوبه الخاصّ والعصريّ والمتجدّد. درس السولفيج والهارموني ونظريّات الموسيقى على يد أساتذة فرنسيّين، وتأثّر منذ طفولته بالموسيقى الغربيّة. كما درس في معهد الآباء الأنطونيّين في أنطلياس، وفي معهد الرسل – جونيه، ثمّ في المون لاسال في رأس بيروت، لكنّه ترك الدراسة ليتفرّغ للموسيقى والعزف على البيانو.
وفي سنّ التاسعة عشرة، تعرّض إلياس الرحباني لمشكلة صحّيّة في يده اليمنى منعته من متابعة العزف على البيانو. لكنّه لم يستسلم، بل حوّل مساره نحو التلحين والتأليف الموسيقيّ. وهنا برزت إرادته في تحدّي الصعوبات وتخطّي الإصابة، فوازن هذا العقل المبدع بين النغمة والكلمة.
ألّف إلياس الرحباني أولى مقطوعاته في سن السابعة عشرة. وفي عام 1958، تعاقدت معه إذاعة BBC ، فَلَحَّن أربعين أغنية وثلاثة عشر برنامجًا. كما عمل في الإذاعة اللبنانيّة، حيث تولّى مسؤوليّة قسم الموسيقى الغربيّة.
تزوّج عام 1961 من مارِي تيريز خليل، المعروفة باسم نينا، وأنجب منها ولدين هما جاد وغسّان الرحباني. وكانت زوجته تدعمه وتساعده في تقييم أعماله الفنّيّة. وعُرف إلياس بتواضعه وروحه المرحة وحبّه للمزاح، فكان شخصًا محبوبًا من الجميع، رغم الحساسيّة الكبيرة والقلق العميق اللذين كانا يرافقانه.
ارتبط إلياس الرحباني بلبنان ارتباطًا وثيقًا، وكان يعتبره مصدر إلهامه الأساسيّ. وخلال الحرب الأهليّة، سافر مع عائلته إلى باريس حاملاً أعماله الموسيقيّة. وهناك، أُعجب الموسيقيّون الفرنسيّون بموهبته الكبيرة، وقدّموا له عرضًا مهمًا ليبقى في فرنسا ويعمل موسيقيًا عالميًا. لكنّه رفض الابتعاد عن وطنه، وكان يردّد عبارته الشهيرة: “ليكي بلادي شو حلوة”. فعاد إلى لبنان، وبدأ بتلحين أغانٍ وطنيّة عربون محبّة للوطن، ومن أشهرها أغنية “عم بحلمك يا حلم يا لبنان” الّتي أدّتها ماجدة الرومي.
ولم تتوقّف أعماله الفنّيّة خلال الحرب، إذ حوّل منزله إلى استوديو، واستمر في إنتاج الأغاني، لأنّه كان يؤمن بأنّ الموسيقى تعكس الصورة الجميلة للبنان. وقد تأثّر بموسيقى الجاز والموسيقى الفرنسيّة والبوسانوفا، فامتزجت في أعماله النكهة الشرقيّة بالطابع الغربيّ، ما منحها أسلوبًا عصريًّا ومتجدّدًا.
يُعتبر إلياس الرحباني من أكثر الموسيقيّين إنتاجًا في العالم العربيّ، إذ ألّف حوالي 6500 عمل موسيقيّ. تنوّعت أعماله بين الأغاني الشرقيّة والغربيّة، والموسيقى التصويريّة، وموسيقى الأفلام والمسرحيّات، والبرامج التلفزيونيّة، والإعلانات، والأناشيد، والموسيقى الكلاسيكيّة، وأغاني الأطفال. كما تعاون مع الفنّانين الكبار، منهم فيروز، وديع الصافي، صباح، نصري شمس الدين، ماجدة الرومي، وسلوى القطريب. ومن أشهر أغانيه: “كان عنا طاحون”، “حنّا السكران”، و”يا قمر الدار”. كما ألّف أغاني أطفال معروفة، منها “بِعيدك يا ماما”، واشتهر أيضًا بإعلان حليب “نيدو”.
تُوفّي إلياس الرحباني في 4 كانون الثاني 2021، عن عمر ناهز 83 عامًا، بعد معاناته مع مرض ألزهايمر وإصابته بفيروس كورونا (COVID-19).
في الختام، نرى أن إلياس الرحباني مثال للفنان الوفيّ الّذي أحبّ وطنه رغم الصعوبات، وترك إرثًا فنّيًّا خالدًا. وقد شكّل هذا النشاط فرصة قيّمة للتلامذة لاكتشاف شخصيّة لبنانيّة مميّزة والتعلّم مِن تجربتها. وفي النهاية، نستنتج أن إلياس الرحباني قصّة إصرار على التميّز وصناعة الذات، إذ انطلق من جوّ فنّيّ ليصنع نغمة موسيقيّة فريدة ومتجدّدة. وخلاصة القول إنّ الإبداع وليد التحدّي.
