Published On 29/5/202629/5/2026

|

آخر تحديث: 12:55 (توقيت مكة)آخر تحديث: 12:55 (توقيت مكة)

ينتمي مسلسل “حفرة جهنم” إلى أعمال الجريمة والتشويق العربية الحديثة، وانطلق عرضه في 8 مايو/أيار 2026 عبر منصة “شاهد”، في 10 حلقات فقط.

المسلسل من تأليف عائشة الهذلي وإخراج أكتاروس حامد، ويشارك في بطولته خالد يسلم وخيرية أبو لبن وفاطمة البنوي وقصي خضر وماجد الكعبي ومؤيد الثقفي، إلى جانب عدد كبير من الممثلين.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of listمدينة البحر تخفي وجهها الآخر

منذ حلقاته الأولى، يقدم “حفرة جهنم” نفسه بوصفه عمل جريمة مختلف عن الصورة التقليدية المعتادة في الدراما الخليجية، سواء في مستوى العنف والتشويق، أو في انطلاقه من قصة حقيقية وقعت في قلب أحد الأحياء العشوائية في مدينة جدة قبل إزالته.

الحي هنا ليس مجرد خلفية، بل قلب الحكاية ومحورها، فهناك بيئة مغلقة تشكل الشخصيات وتبرر العنف وتغذي الصراع. تبدأ الأحداث في حي تتحكم تجارة المخدرات في تفاصيل الحياة اليومية لسكانه، حيث تفرض العصابات قوانينها الخاصة على الجميع، في عالم يبدو منفصلا عن المدينة الحديثة المحيطة به.

في هذا السياق، يتصدر صراع النفوذ بين آدم (ماجد الكعبي) ومنير (حسين الدقل)، وهما نموذجان مختلفان للسلطة داخل الحي، لكنهما يشتركان في استخدام العنف والترهيب للحفاظ على الهيمنة. ومع تصاعد التوتر بينهما، تتحول المنطقة إلى ساحة حروب صغيرة وانتقامات متبادلة ومؤامرات لا تنتهي.

على الضفة الأخرى، يحاول الضابط ماجد (خالد يسلم) القضاء على تجارة المخدرات داخل الحي، لكنه يصطدم تدريجيا بشبكة فساد أوسع بكثير من مجرد مجموعة مجرمين محليين. وتكشف الأحداث أن القضية بالنسبة له ليست مهنية فقط، بل شخصية أيضا، مع الإشارة إلى علاقة العصابات بمقتل زوجته، وهو ما يمنح الشخصية دافعا نفسيا إضافيا ويحول مهمته من مجرد ملف في سجلات الشرطة إلى رحلة انتقام.

واحدة من أهم نقاط القوة في المسلسل هي طريقة توظيف المكان، فالحارة فضاء خانق ينتج العنف، حيث الأزقة الضيقة والمباني المتهالكة والإضاءة المعتمة والفوضى الدائمة وكلها تمنح المتفرج إحساسا بأن الشخصيات محاصرة داخل دائرة ضيقة من الجريمة يصعب الخروج منها.

ومن هنا تأتي المفارقة التي يراهن عليها العمل: جدة المعروفة بصورة مدينة البحر والانفتاح، تُقدّم هنا بوجه آخر أكثر قتامة، من عشوائيات منسية إلى شبكات مخدرات وفساد اجتماعي متجذر. هذه المقارنة تمنح المسلسل بعدا بصريا ومعنويا إضافيا، بين مدينة السياحة ومدينة الظل.

عنف بصري على مقاس المنصات

يقدم المسلسل مستويات عالية من العنف البصري مقارنة بما اعتاده المتفرج في الإنتاجات العربية التقليدية، فهناك مشاهد قتل وتعذيب وصراعات دموية بين العصابات تُعرض بشكل مباشر نسبيا، دون كثير من التخفيف.

يمكن قراءة ذلك في سياق صعود المنصات الرقمية، التي تمنح صناع الدراما مساحة أكبر لتقديم أعمال أكثر جرأة من تلك التي تُعرض على شاشات التلفزيون المفتوحة. هنا لا يبدو العنف مجرد استعراض بصري، بل انعكاسا طبيعيا لعالم فاسد ومنهار يفرض قوانينه بالقوة، وإن ظل النقاش مفتوحا حول حدود الجرعة العنيفة ومدى ضرورتها في بعض المشاهد.

عالم بلا يقين بين الخير والشر

يبني “حفرة جهنم” عالما دراميا متشابكا، فهناك خطوط سردية تتقاطع وشخصيات متداخلة داخل شبكة من النفوذ والفساد والعنف. لا يقدم المسلسل إجابات جاهزة، بل يدفع المتفرج لفك هذا التشابك بين العلاقات والدوافع.

يتضح تأثر العمل بعدد من الأعمال العالمية التي تناولت عوالم العصابات، مثل “ناركوس” (Narcos) وعصابات لندن (Gangs of London)، على مستوى بنية عالم الجريمة وطريقة تقديم العصابات بوصفها منظومات لها قوانينها الخاصة والميل إلى العنف المنظم، مع وجود “زعيم” شديد القسوة ومساعد أقل عنفا وأكثر دهاء يتجسد هنا في شخصية نوار (قصي خضر).

لكن هذه المقارنات لا تعني أن “حفرة جهنم” مجرد نسخة محلية من تلك النماذج، فالعنصر المحلي حاضر بقوة في تفاصيل البيئة السعودية وطبيعة العلاقات الاجتماعية واللغة الحوارية، وهو ما يمنحه واقعا مختلفا عن السياقات الغربية أو اللاتينية ويمنع العمل من الوقوع في فخ الاستنساخ.

لم يفقد المسلسل هويته الخاصة رغم وضوح تأثير النماذج العالمية على مستوى الشكل، إذ بقي المحتوى مرتبطا ببيئة جدة وأحيائها المهمشة وبخصوصيتها الاجتماعية والثقافية.

“نوار” سعودي.. شخصيات رمادية وإضاءة قاتمة

يمكن أيضا قراءة “حفرة جهنم” باعتبارها خطوة باتجاه صناعة “نوار سعودي” (Noir) -متأثرا بأسلوب السينما النوار- إذ تدور الحكايات غالبا في عوالم الجريمة، وتُقدّم الشخصيات بوصفها رمادية أخلاقيا، بلا خير مطلق أو شر مطلق.

بصريا، يهيمن على المسلسل طابع داكن: إضاءة منخفضة، أجواء محمّلة بالغموض والقلق، وتركيز على الفساد والخيانة والتوتر النفسي بدل الحلول الواضحة. من سمات هذا الأسلوب أيضا غياب البطل التقليدي، فلا يوجد هنا “منقذ” نقي الأخلاق، بل شخصيات متورطة بدرجات مختلفة في عالم ملتبس.

يتجلى ذلك في شخصية الضابط ماجد، الذي لا يُقدّم “شرطيا مثاليا”، بل رجلا عنيفا يلتف على القوانين ويتلاعب بزملائه للوصول إلى العدالة كما يراها، وهو ما يضعه في منطقة وسطى بين إنفاذ القانون وخيانته.

في هذا العالم لا توجد ثنائية صلبة بين الخير والشر، بل شبكة دوافع متناقضة تحرك الجميع نحو مسارات متفاوتة بين الانهيار والبقاء. الغموض هنا لا يقتصر على الأحداث ومن يخطط لمن، بل يشمل أخلاق الشخصيات نفسها وحدود ما يمكن اعتباره عدالة أو جريمة.

خطوة جديدة في مسار الدراما السعودية

يمثل “حفرة جهنم” خطوة لافتة في مسار تطور الدراما السعودية نحو أشكال سردية أكثر تعقيدا، فهو عمل يجمع بين التأثر الواضح بنماذج عالمية، ومحاولة خلق لغة بصرية وسردية محلية.

قد يبدو في بعض جوانبه امتدادا لأعمال جريمة عالمية شهيرة، لكنه يجد مكانه الخاص عبر توطين هذه العناصر في بيئة جدة -بلهجتها وشوارعها وطبقاتها الاجتماعية- وبشخصيات تلعب على الحدود الفاصلة بين الضحية والجلاد.

تزداد هذه البصمة وضوحا مع الأداء التمثيلي المميز خاصة من خالد يسلم وقصي خضر، في شخصيتين مركبتين لا يسهل حصرهما في قالب واحد أو قراءة دوافعهما من النظرة الأولى، وهو ما يترك المتفرج طوال الحلقات في حالة يقظة أخلاقية وجمالية مناسبة تماما لعالم يحمل اسما مكثفا مثل “حفرة جهنم”.