جناح قطر في قمة الويب في لشبونة، البرتغال، 12 نوفمبر 2024 (ريتا فرانكا/ Getty)
تفرض التحديات الجيوسياسية في المنطقة ضغوطاً غير مسبوقة على مشاريع الشباب الخليجي ورواد الأعمال الصغار، خاصةً بعدما كشفت البيانات الرسمية لأسواق الشحن عن تداخلٍ بين التوترات العسكرية واختلال الأنماط الموسمية للتجارة البحرية، حيث أدت الأزمة في مضيق هرمز إلى ارتدادٍ عكسي مفاجئ في أسعار الشحن الفوري على مسارات التجارة الرئيسية بين الشرق والغرب، ما سلط الضوء على أهمية وضع “ميثاق للشركات الناشئة” بهدف تنفيذ خطط إنقاذ مالي تحمي رواد الأعمال من التقلبات الحادة في كلفة التوريد.
ونتج عن هذا الاختلال بروز ما يسمى “علاوة هرمز” التي رفعت أسعار الشحن الفوري بمقدار 735 دولاراً للحاوية قياس 40 قدماً مقارنةً بالمستويات المتوقعة موسمياً، وهو ما يلتهم هوامش ربح الشركات الناشئة ويقوض قدرتها التنافسية، ما يستوجب توجيه ميزانيات الدعم المالي لتغطية هذه الفروق اللوجستية المفاجئة، حسبما أورد تقرير نشرته منصة “ذا لود ستار”، المتخصصة في شؤون الشحن والخدمات اللوجستية العالمية.
وتمتد تداعيات الحرب لتشمل أزمة انقطاع سلاسل الإمداد وتأخر البضائع في عرض البحر، وهو ما يستنزف رأس المال العامل لمشاريع الشباب التي لا تملك الملاءة المالية لتحمل فترات الانتظار الطويلة، ما يستدعي صياغة خطط إنقاذ لوجستية موازية تعيد جدولة الديون وتوفر قروضاً مؤقتة مدعومة لمساعدة المشاريع الخليجية الناشئة على التكيف مع استمرار الأزمة، بحسب تقرير نشرته منصة “فريت ويفز”، المعنية بأخبار الشحن والخدمات اللوجستية العالمية.
وإزاء ذلك، تتجه المبادرات الخليجية المشتركة نحو تنشيط الممرات التمويلية الرقمية لتمكين الشركات الناشئة من الحصول على خطوط ائتمان مرنة عبر منصات التكنولوجيا المالية وحلول الخدمات المصرفية الرقمية، ما يسمح بتوفير سيولة عاجلة وحلول تمويلية ميسرة، ويساعد المشاريع الشبابية على امتصاص الصدمات الناتجة عن تقلب كلفة النقل وتأمين احتياجاتها من المواد الأولية دون توقف عملياتها التشغيلية، بحسب تقرير نشرته منصة “غلوبال فاينانس”، المتخصصة في الشؤون المالية والمصرفية العالمية.
وتكتمل هذه المظلة الائتمانية من خلال صياغة اتفاقيات تجارية واقتصادية خليجية موحدة تدعم مرونة البيئة الرقمية وتخفض الكلفة التأسيسية والتشغيلية على الشركات الطموحة عابرة الحدود، ما يعزز التعاون مع المراكز المالية الإقليمية مثل دبي والرياض والمنامة، ويوفر بيئة قانونية ائتمانية مستقرة وحماية شاملة تمنح المستثمرين ومؤسسات التمويل الثقة الكافية لتقديم تسهيلات ائتمانية طويلة الأجل تحمي مشاريع الشباب الخليجي من تقلبات الاقتصاد العالمي، بحسب تقدير نشره موقع الحكومة البريطانية الذي يعرض السياسات العامة والاتفاقيات التجارية الدولية.
نظام اقتصادي إقليمي
وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي باسكال ضاهر، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن دعم الشركات الناشئة يمثل تحولاً جوهرياً في النظرة الاقتصادية التقليدية بدول الخليج، حيث لم تعد تُعتبر مجرد مشاريع تبحث عن التمويل، بل أصبحت جزءاً من “نظام أمني واقتصادي إقليمي”، خاصةً في ظل التوترات الجيوسياسية التي رفعت تكاليف الشحن والتأمين وأربكت سلاسل الإمداد، ما وضع هذه الشركات أمام ضغوط تشغيلية ثقيلة نظراً لافتقارها لهوامش ربح أو سيولة كافية لامتصاص الصدمات المفاجئة.
وبرزت حدة هذه الأزمة خلال الاضطرابات التي عصفت بقطاع الشحن في البحر الأحمر بين عامي 2023 و2024، عندما اضطرت شركات الشحن العالمية لتعديل مسارها بعيداً عن قناة السويس، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتأخير تسليم البضائع، وهو ما أثر بشدة على القدرة النقدية للشركات الصغيرة، بينما استطاعت الشركات الكبرى تحمل جزء من هذه الأعباء المستحدثة، كما يوضح ضاهر.
وهنا يبرز “ميثاق الشركات الناشئة” باعتباره إطاراً خليجياً يهدف إلى توحيد بيئة الدعم للمشاريع الريادية عبر تسهيل التمويل وتعزيز الحماية الائتمانية والتكامل اللوجستي بين دول مجلس التعاون الخليجي. وتكمن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة، بحسب تقدير ضاهر، في التنسيق الإداري والتحول نحو نظام حماية اقتصادية قادر على امتصاص الصدمات الإقليمية والدولية. ويرى ضاهر إمكانية ترجمة هذا التوجه عملياً عبر إنشاء صناديق طوارئ خليجية تدعم الشركات الناشئة بتغطية جزء من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، أو توفير قروض تشغيلية قصيرة الأجل وضمانات سيولة للمشاريع المتضررة، خاصةً في قطاعات التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية والتصنيع الخفيف.
ولتحقيق التكامل الخليجي، يشير ضاهر إلى إمكانية منح هذه الشركات قدرة على التفاوض الجماعي مشابهة لنموذج “Mittelstand” في ألمانيا و”Keiretsu” في اليابان، وذلك عبر إنشاء منصات موحدة للتعاقد مع شركات الشحن والتأمين، ما يخفض التكاليف ويقلل المخاطر المالية، مع بناء مظلة ائتمانية مشتركة توزع المخاطر بين الحكومات والصناديق السيادية ومصارف التنمية لتقديم قروض بضمانات مرنة خلال الأزمات، رغم الحاجة لمسار قانوني معقد.
تجارب دعم ناجحة
وفيما تبرز المبادرات القطرية المتعددة والمتمثلة في استراتيجية التنوع الاقتصادي وبرامج الدعم الوطني لرواد الأعمال، والمنصات الحكومية المخصصة لتسريع نمو وتدويل الشركات الناشئة ورواد الأعمال، وكذلك البرامج التمويلية المرنة التي تقدمها “هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة” في سلطنة عُمان لدعم استمرارية مشاريع الشباب، يلفت ضاهر إلى أن دول الخليج الأخرى تملك تجارب ناجحة أيضاً يمكن البناء عليها، مثل دعم المملكة العربية السعودية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ضمن رؤية 2030، وإطلاق الإمارات برامج ضمانات مصرفية أثناء جائحة كورونا، ونموذج “تمكين” في البحرين الذي يدعم التمويل والتحول الرقمي.
ويخلص ضاهر إلى أن ميثاق الشركات الناشئة يعد خطوة متقدمة نحو بناء نموذج خليجي حديث يعتبر هذه الشركات جزءاً من الاستقرار الاقتصادي الإقليمي، ما يعزز حماية اقتصادات دول الخليج من تقلبات عالم معقد ومضطرب.
وفي السياق ذاته، يشير المستشار في المفوضية الأوروبية لشؤون الحوكمة محيي الدين الشحيمي، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن ميثاق الشركات الناشئة يعد تجربة مركزية ومحورية لضمان الأمن القومي التجاري لدول الخليج، وآلية رصينة ومؤسسية لحماية مشاريع الشباب الخليجي، حيث ينطلق من مسلمات الاحتضان والتبني لأنواع السياسات المتكيفة التي تسهم في خروج خطط الإنقاذ المالي المرنة والسريعة. ويعمل هذا الميثاق على إحلال نسقيات التكامل الاقتصادي الخليجي المتناغم ضمن مظلة ائتمانية مشتركة، وتحويل قنوات الواردات المالية المتدفقة والمحصنة التي تضمن استمرارية سلاسل الإمداد في خضم معركة تفادي تقلبات الشحن وتحديات الطرق البديلة، كما يوضح الشحيمي.
وتتمتع هذه النماذج المؤطرة بشرعية مؤسسية بأدوار استراتيجية كبيرة لضمان مشاريع الشباب عبر تشابكية مهنية من شراكات الأعمال الشفافة في منطقة الخليج، حيث يضطلع الميثاق بدوره في خطط الإنقاذ المالي من خلال إيجاد حلول هيكلية لدعم الشركات المبتكرة عبر عدة اعتبارات واختيارات، وفق رؤية الشحيمي.
وتُعد صناديق التحوط الطارئة ومنصات التمويل التشاركية من عوامل إرساء قواعد تتيح التدخل السريع، بحسب الشحيمي، لافتاً إلى أنها تساهم في ضخ وتحويل السيولة المسعفة لاستمرارية الأعمال، وخاصةً في وقت القفزات غير المتوقعة وظهور فقاعات سعرية وأمنية في التكاليف والسلال المتنقلة. ويسلك هذا النهج منطق العمل على تصفير نسبة الأعباء التشغيلية بقدر الإمكان، بحسب الشحيمي.
