على طاولة خشبية مستطيلة وضعت مجموعة من السكيتشات على أوراق تحمل كتابات بخط اليد، وتتقاطع مع الكلمات والأحرف، فلا تتبين العلاقة بينهما. يخبرنا صاحبها أن هذه الأوراق المستهلكة كانت السطح الوحيد المتاح بين يديه حين رسمها على عجل. كان برفقة والدة زوجته حين كانت محتجزة في المستشفى كما يقول. في لحظات كهذه، يصير الرسم استجابة تلقائية لزمنٍ ثقيل، محاولة لملء الفراغ أو ملامسة شيء ثابت وسط قلقٍ ممتد. تبدو الخطوط كأنها تتشكل تحت ضغط الانتظار، كأثر مباشر لحالة عابرة.
هذه السكيتشات التي وضعها الفنان المصري محمود حمدي ظلّ محتفظاً بها إلى أن قرر عرضها هنا، جزءاً من أعمال معرضه “رحلة إلى الداخل” الذي افتتح في “غاليري ضفاف” بالقاهرة بداية الشهر الجاري ويتواصل حتى الرابع من الشهر الجاري، احتفاظ الفنان بهذه الرسوم يعود إلى ما مثلته من انعطافة حقيقية في علاقته بالرسم كما يقول. فقبل هذه التجربة، كانت أعماله تميل إلى طابع مدرسي واضح، يغلب عليها الالتزام بالنسب والقواعد المتعارف عليها، حيث يحتكم الخط إلى ما ينبغي أن يكون عليه الشكل. أما هنا، فقد حدث شيء مختلف؛ إذ تحرّر الخط من هذه المرجعيات الصارمة، وصار أكثر خفة وانسياباً، أقرب إلى انطباع أولي يقود القلم على مساحة الورق، لا يسائل عقله عن منطقية العلاقة بقدر ما يتتبع حسه البصري. كأن هذه الأوراق، على بساطتها، فتحت أمامه إمكانية أُخرى للرسم، أقلّ انضباطاً، لكنها أكثر اقتراباً من تجربته الخاصة.
من المعرض (غاليري ضفاف)
الأوراق التي رسمها الفنان وهو برفقة السيدة عطيات الأبنودي صانعة الأفلام التسجيلية وزوجة الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي، تخبِّئ المزيد من الحكايات. فهي تستدعي تلك اللحظة الفارقة في فهمه للرسم، كما تستدعي اللحظة الحياتية التي اختبرها هو وزوجته أسماء. هي نفسها “أسماء” التي ذكرها الشاعر أمل دنقل في رثائه لوالدها، الكاتب والأديب الراحل يحيى الطاهر عبد الله. “ليت أسماء تعرف أن أباها صعد/ لم يمت/ هل يموت الذي كان يحيا كأن الحياة أبد/ وكأن الشراب نفد/ وكأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد…”.
تبدو الخطوط كأنها تتشكل تحت ضغط الانتظار، كأثر مباشر لحالة عابرة
هذه الأوراق المرسومة تستحضر الوجوه والمواقف والأسماء كما تستحضر التحولات والخيالات التي صاحب حضورها على الورق. في المعرض تمتلئ الجدران برسوم شبيهة بتلك، كانت علامات طريق أو نقاطاً مضيئة في رحلة بحث الفنان عن معنى الرسم، أو معنى الفن على نحو عام. ومع الانتقال من عمل إلى آخر، تمر العين عبر إيقاعات متكررة ومتبدلة في آن، لا مشاهد مكتملة هنا، هي مجرد خطوط تعود وتتحور، وأشكال تتكاثر أو تتلاشى كنسيج ممتد. هنا، يكون التلقي نوعاً من التتبع، كأن العين تعيد السير في المسار نفسه الذي قطعه الفنان، ملتقطة إشاراته ومحاولاته، المخبأة في هذا التدفق البصري.
من المعرض (غاليري ضفاف)
يضم المعرض عشرات الرسوم الأخرى التي وضعها الفنان محمود حمدي على فترات متقاربة من هذه التجربة، رسوم تشبه النباتات، أو الكائنات وحيدة الخلية، أشكال تنقسم وتتجزأ، لتخرج من رحمها حياة أخرى وكائنات، تتحرك عبر أهداب وزوائد. تكوينات في لحظة بينية، لا هي بداية واضحة ولا نهاية مستقرة، وإنما حركة داخلية مستمرة، نمو أو تآكل، تمدد أو انكماش.
يدرك الفنان الآن أن الدافع وراءها كان من أثر تعلقه باستكشاف عالم الكائنات الدقيقة تحت المجهر الذي كان يمتلكه والده. غير أن ما يظهر هنا أشبه بإعادة تخيّل لهذه الكائنات، أو بالأحرى إعادة توليد لإحساس النظر عبر وسيط آخر. فكما يتيح المجهر رؤية ما لا يُرى بالعين المجردة، يتيح الرسم إمكانية موازية لاكتشاف ما لا يمكن القبض عليه بالكلمات. يتحول الخط هنا إلى وسيلة للفحص والتجريب، كأنه يختبر احتمالات الشكل وهو في طور التكوّن.
