تعود رواية “صائبة” (1891) للكاتبة اللبنانية الرائدة أليس البستاني إلى الواجهة الثقافية، بعد إدراجها ضمن سلسلة “أكسفورد للكلاسيكيات العالمية” الصادرة عن دار نشر جامعة أكسفورد Oxford University Press، في ترجمةٍ إنكليزيةٍ أنجزتها الباحثة والمترجمة مارلين بوث، ومن المقرر صدورها في الحادي عشر من الشهر الجاري.

ويعيد هذا الإدراج تسليط الضوء على عملٍ روائيٍ ينتمي إلى المراحل المبكرة من تشكّل الرواية العربية في أواخر القرن التاسع عشر، حين كانت الأشكال السردية الحديثة لا تزال في طور التأسيس والتجريب داخل سياق النهضة العربية في بلاد الشام ومصر. وتعد “صائبة” من أقدم النصوص الروائية المعروفة التي كتبتها امرأة باللغة العربية، الأمر الذي يضعها في موضعٍ خاصٍّ في تاريخ الأدب العربي الحديث، لكونها جزءاً من البدايات الأولى لصوت نسائي في الحقل الروائي.

تتناول الرواية قضايا الزواج والعلاقات الأسرية ومكانة المرأة في المجتمع العربي خلال أواخر القرن التاسع عشر، مع تركيزٍ لافتٍ على ما بعد الزواج، حيث تتكشف التوترات الاجتماعية داخل الحياة الزوجية بدل أن تنتهي عند لحظة الارتباط. ويضع هذا التوجه السردي الرواية في إطار اهتمامٍ مبكرٍ بإعادة النظر في البنى الاجتماعية التقليدية، وفتح أسئلة تتعلق بالعلاقات بين الأفراد داخل الأسرة والمجتمع.

وتدور أحداث الرواية حول بطلتها “صائبة” بعد الزواج، حيث تجد نفسها في مواجهة ابن عمٍّ يعتقد أن له حقاًّ فيها، وهو ما يضع العلاقات العائلية في قلب السرد. وتكتسب هذه المعالجة أهميةً خاصة لكونها تنتقل من موضوع اختيار الشريك، الذي شغل جانباً من الرواية العربية المبكرة، إلى ما يطرأ على الحياة الزوجية من توتراتٍ وصراعاتٍ اجتماعية. كما تشير المادة التعريفية للناشر إلى حضور عناصر مستمدةٍ من الأدب القوطي الفيكتوري أعادت أليس البستاني توظيفها ضمن سياقٍ عربي عثماني، في نص يضيء جوانب من النظرة إلى المرأة والعلاقات الأسرية في أواخر القرن التاسع عشر.

الرواية تكتسب أهميتها كذلك من سياقها التاريخي، حيث تنتمي إلى مرحلة شهدت تحولاتٍ فكرية وثقافية واسعة في العالم العربي في أواخر العهد العثماني مع صعود الطبقة الوسطى المتعلمة، وبداية تشكّل خطابٍ ثقافي جديد تأثر بالاحتكاك بالآداب الأوروبية من جهة، وبمحاولات تحديث أدوات التعبير الأدبي من جهةٍ ثانية. وفي هذا المناخ، برزت الكتابة الروائية باعتبارها أبرز أشكال التعبير الحديثة التي أتاحت إمكاناتٍ جديدة للسرد والتخييل.

عمل روائي ينتمي إلى المراحل المبكرة من تشكّل الرواية العربية

وتشير الترجمة الإنكليزية الجديدة، التي أنجزتها مارلين بوث، إلى أهمية تقديم النص ضمن إطار نقدي يضيء خلفياته الاجتماعية والتاريخية، ويعيد قراءته كوثيقةٍ أدبية تشير إلى  مرحلةٍ تأسيسية في تطور السرد العربي. كما يندرج هذا الإصدار ضمن مشروع سلسلة “أكسفورد للكلاسيكيات العالمية”، التي تعمل على إعادة إحياء نصوصٍ أدبيةٍ من ثقافات متعددة وإدماجها في سياق القراءة الأكاديمية العالمية.

ويفتح صدور هذه الترجمة باباً جديداً لإعادة النظر في حضور الكاتبات العربيات في بدايات الرواية العربية، وفي مساهمتهن في تشكيل خطاب سردي موازٍ للخطاب الذكوري السائد في تلك المرحلة. كما يسلّط الضوء على دور أليس البستاني ضمن هذا السياق لكونها من الأصوات النسائية المبكرة التي ساهمت في إدخال التجربة الروائية إلى فضاء الكتابة العربية الحديثة.