توفيت صباح الخميس الكاتبة والرسامة والمخرجة الفرنسية-الإيرانية مريم ساترابي تاركة وراءها إرثاً أدبياً وفنياً فريداً جعلها واحدة من أبرز الأصوات الإيرانية في العالم خلال ربع القرن الماضي.

اشتهرت ساترابي بروايتها المصورة «برسيبوليس»، التي روت فيها قصة نشأتها في طهران خلال سنوات الثورة الإسلامية وما أعقبها من تحولات عميقة في المجتمع الإيراني. وفي الجزء الأول من العمل، تستعيد سنوات طفولتها ومراهقتها المبكرة، متتبعة نشاط والديها وعائلتها في صفوف المعارضة اليسارية، والتغيرات الاجتماعية التي فرضها النظام الديني الجديد، وتصاعد القيود والقمع الذي غيّر ملامح الحياة اليومية بصورة جذرية. أما الجزء الثاني فيتناول سنوات غربتها في النمسا، حيث أرسلها والداها حفاظاً على سلامتها، لتواجه تحديات التأقلم مع مدرسة كاثوليكية، وتجارب الحب الأولى، والبحث عن هوية وسط بيئة مختلفة تماماً عن عالمها الأصلي.

تنتهي الرواية بعودة ساترابي إلى إيران، حيث تتابع دراستها الجامعية وتتزوج. ومع الفيلم المقتبس عنها عام 2007، والذي شاركت ساترابي بنفسها في إخراجه، تحولت «برسيبوليس» إلى عمل يجمع بين السيرة الذاتية والرواية التكوينية، على خلفية أحد أكثر الأحداث تأثيراً في التاريخ المعاصر. وقد حظي الكتاب، الذي نُشر أولاً في باريس ثم تُرجم إلى الإنجليزية ولغات أخرى، بإشادة واسعة من النقاد والمؤسسات الثقافية، كما أصبح مادة تعليمية في العديد من المدارس الأميركية.

ساهمت «برسيبوليس» في إعادة تشكيل فهم كثيرين للثورة الإيرانية. فبينما ركزت السرديات الغربية لفترة طويلة على سقوط الشاه محمد رضا بهلوي، وأزمة الرهائن الأميركيين، وتداعياتها السياسية في الولايات المتحدة، قدمت ساترابي صورة مختلفة لإيران من الداخل. فقد كشفت تفاصيل الحياة اليومية تحت الحكم الجديد، من التغييرات السريعة في المناهج التعليمية إلى محاولات العائلات الحفاظ على مظاهر الحياة الطبيعية رغم القيود المتزايدة. كما وثقت بأسلوب مؤثر الضغوط والعنف اللذين تعرضت لهما النساء وكل من حاول تحدي السلطة أو مقاومة القيود الاجتماعية.

وعندما تنتقل أحداث الرواية إلى النمسا، لا تقدم ساترابي تجربة المنفى بوصفها خلاصاً سهلاً أو نهاية سعيدة. بل تصف صعوبات الاندماج في مجتمع جديد، والتعامل مع العزلة والاختلاف الثقافي، ومواجهة تحديات المراهقة في بيئة بعيدة عن وطنها. ومن خلال مزيج من السخرية والصدق المؤلم، تروي تجارب شخصية استطاع كثير من القراء حول العالم التماهي معها، بغض النظر عن خلفياتهم السياسية أو الاجتماعية.

وتبرز قوة «برسيبوليس» في قدرتها على الموازنة بين الخاص والعام، بين المآسي الشخصية والأحداث التاريخية الكبرى. فبينما تروي ساترابي قصص خيباتها العاطفية وصراعاتها الفردية، لا تغفل ما شهدته إيران من اعتقالات وإعدامات وحرب مدمرة واستخدام للأسلحة الكيميائية. وبهذا التوازن الدقيق، نجحت في تقديم سردية إنسانية لا تختزل السياسة في الشعارات، ولا تسمح للتاريخ بأن يطغى على التجربة الفردية.

كما تميزت الرواية برفضها تقديم نهايات مثالية. فعلى الرغم من لحظات الأمل التي عاشتها ساترابي، بما في ذلك زواجها من شاب يدعى رضا ومشاركتهما في مشروع معماري طموح خلال الدراسة الجامعية، فإن الزواج انتهى بالطلاق، كما لم يكتب النجاح للمشروع. وبحلول نهاية القصة، تجد نفسها أمام حالة من التردد والبحث تشبه تلك التي عاشتها في طفولتها، الأمر الذي يُذكّرنا أن السعادة ليست محطة نهائية، بل مسار طويل ومتعرج يتشكل عبر التجارب والخسارات والتحولات المستمرة.

وبعد النجاح العالمي الذي حققته «برسيبوليس» ونسختها السينمائية، واصلت ساترابي نشاطها الإبداعي من خلال إخراج عدد من الأفلام الدرامية والكوميدية، كما أخرجت عام 2019 فيلماً عن حياة العالمة ماري كوري. وظلت حاضرة في النقاشات السياسية والثقافية، وكان لها دور بارز في دعم الاحتجاجات التي اندلعت في إيران عقب وفاة مهسا أميني عام 2022، وساهمت في إصدار عمل جماعي بعنوان «امرأة، حياة، حرية». وقد فقدت زوجها ماتياس ريبا العام الماضي، لتطوى برحيلها صفحة واحدة من أبرز الشخصيات الثقافية الإيرانية المعاصرة، فيما سيبقى أثرها حاضراً في الأدب والسينما والذاكرة العامة لسنوات طويلة.

هذا المقال منقول عن الإنجليزية

اقرأ أيضا

اكتشاف المزيد من الحرة