صدرت حديثاً عن “محترف أوكسجين للنشر” مجموعة شعرية جديدة للشاعر الأردني قصي اللبدي بعنوان: “يملأ الوقت.. يتنقَّل بين الثياب”. وفيها يعود الشاعر إلى نشر قصائده الآسرة في كتاب، بعد أكثر من عقدٍ، راسماً بدقةِ من يتبع سطراً طويلاً على صفحةٍ لا متناهية؛ مساراتِ الحياة وإيقاعها المتغيّر. 

 

إنه كتابٌ يوقظُ الحواس، يستفزّها، ويُحاكي لحظات إنسانيّة مهرَّبة مِن بين الخرائب. وما الزمنُ هنا إلَّا ما يكتبُهُ الشاعرُ المنتبه لما يحدث حولنا، وفي أعماقنا، راصداً مشاهد يومية، حكاياتٍ صغيرة، وجوهاً مغيَّبة، وكلّ ما يستعيد جوهر الإنسان المفتقد. وبين مفتتح الكتاب: “تارِكاً كلَّ شيءٍ/ ومُستغنِياً عنهُ”، وآخر عبارة: “فلا تَنْسَني../ لا تذرْني وحيداً،/ وضَعْ ذَرَّةً منكَ في كُلِّ حَرْف”؛ تنبعث رحلةٌ مديدة تضعنا في قلبِ الشِّعر ومعجزاته.

 

ونحن كما تقول كلمة الغلاف: “لا نعرف مَن أصدر حكماً مؤبّداً على الشاعر قصي اللبدي بالحياة شعراً ومِن أجل الشعر، لكنّنا نعرف أنه قاضٍ عادل، أصدر حكمه بمنتهى الواقعية والدراية، لا بل ألزمه مشكوراً، بعد 12 سنة على آخر ديوانٍ له، أن ينشر هذا الذي بين أيديكم، لئلّا يحرِم القرّاء مِن مساءلة استثنائية للحب والعزلة والجسد والاغتراب، وتطويعه اللغة لتحمل هواجسه وعوالمه وقد صيّرها بساطاً سحرياً، يُحلّق بها أينما شاء، وقد امتلأ الوقت بأشباحه، وتحطّمت شموسٌ بأكملها في ثنايا الثياب”.

 

لا يحتاج اللبدي برهاناً يثبِتُ سعةَ اطّلاعه وحصافته اللغوية. وها هو يقترح علينا، بكرمٍ جليّ، رحلةً قوامها 59 قصيدة موزّعة على 104 صفحات، تجمعُ بين أناقة اللغة والإيقاع المُحكم، دون التخلي عن تلك الرقّة والحساسية العالية تجاه الموجودات والأشياء وعلاقتها بعالم الشاعر وذواته المتعدِّدة في الكتاب. فنحن حيالَ كتابةٍ تتأمّل غرابة الوجود وتتقصى ثوابت حياتنا اليومية، في الحضور والغياب، في الحب والهشاشة، وفي قراءتنا لقصائد شاعرٍ تمتلئ جيوبه بالكواكب والحصى.

 

هذا ما نلمسه، مثلاً، في قصيدة “اسمي قُصي”:

أنتِ تَنْسَيْنَ
لا تتذكَّرُ عيناكِ ما رَأَتَا:
لا النهارَ الذي لم أَزَلْ عالِقًا في ظهيرتِهِ
لا الطريقَ الذي صارَ أغنيةً
لا قصيدتَكِ الأمَّ ، لا بحرَها..
كلما رَكَضَتْ كلماتي إليكِ -كأختٍ لها– 
ارتَطَمَتْ رغبتي بالزجاج..

– أنا..
هل تذكرتِني؟
أنتِ تَنْسَينَ
سوفَ أُذكِّرُ عينَيْكِ بي، فتَصِيرَانِ أكبرَ
ثُمَّ نسيرُ معاً في الطريقِ الذي صارَ أغنيةً
وأقولُ لكِ: اسْمِي قُصَيّ..
فما اسمُكِ؟
 

في جديد قصي اللبدي “يملأ الوقت.. يتنقَّل بين الثياب” فيضٌ من الرؤى والأفكار والتجارب الحسّية. وإذا ما أردنا التساؤل عن القصيدة الحقيقية، فهي بلا شكّ الحياة حين تُكتَب! بنبرةِ الشاعر الحميمية وصوته الداخلي الذي يماثلُ ضجيجَ مدينةٍ بأكملها، تمرُّ من أمامنا كشريط سينمائي صامت يقول أكثر ممّا يُخفي.

 

قصي اللبدي 

شاعر وصحافي من الأردن. من مؤلفَّاته الشعريَّة: “ليكن لي اسمك” (2011)، و”فرد في العائلة” (2014).