في كلمته إلى العاملين والمستفيدين من مركز “CEDIA 24 HORAS” للمعلومات والاستقبال بمدريد البابا لاوُن الرابع عشر يدعو إلى رفض اللامبالاة، ويقول إنَّ المساعدة أولاً هي لقاء بين إخوة يجمعهم عناق الآب الواحد.
في لفتة إنجيلية تجسد انحياز الكنيسة للفئات الأكثر هشاشة، التقى البابا لاوُن الرابع عشر بالعاملين والمستفيدين من مركز “CEDIA 24 HORAS” للمعلومات والاستقبال بمدريد. وأكد قداسته في خطاب بليغ استمع خلاله إلى شهادات حياة مؤثرة لمهاجرين وأمهات عازبات، أن الكنيسة الحقيقية هي التي تتواجد حيث تكون الحاجة إليها أشد، محذراً من خطر السقوط في “اللامبالاة وتحجر القلوب” أمام آلام الآخرين، وداعياً إلى جعل تقديم المساعدة الإنسانية فرصة للقاء الأخوي الحقيقي.
قال الأب الأقدس أنا مسرور جداً بأن أبدأ زيارتي إلى مدريد من هنا. وكما قال صاحب السيادة: “مَن يتواجد في مدريد، فهو من مدريد”. وبناءً عليه، أنا أيضاً متواجد بينكم كفردٍ من أهل مدريد: شكراً لكِ يا مدريد على هذا الاستقبال الذي يجعلني أشعر بأنني جزء من عائلة كبيرة ورائعة، تحدث فيها—كما في كل العائلات—معجزات المحبة. ولا سيما في هذا البيت، حيث لا يُترَك فيه أحدٌ وحيداً.
تابع الحبر الأعظم يقول هنا، فرحُ كل فرد وألمه هما فرحُ وألمُ الجميع؛ وبإصغائنا المتبادل، نواجه التحديات معاً، بدون أن نتجاهل تعقيد الأوضاع، وفي الوقت عينه، بدون أن نُهمل مقتضيات المحبة والعدالة، “في حوار مع جميع الذين يعنون بالإنسان وعالمه عناية جدية”. وهكذا، يسير مشروع (CEDIA) على درب الإنجيل، مقتفياً خطى يسوع، ابن الله الذي صار إنساناً لا ليشفي أمراضنا وبؤسنا فحسب، بل ليجعلها خاصته—ما عدا الخطيئة—عائشاً كواحد منا في الضعف، ومتماهياً مع كل شخص متألم، لدرجة أنه قال لنا: ” كلما صنعتم شيئا من ذلك لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي قد صنعتموه”.
أضاف الأب الاقدس يقول وبهذا المعنى، يمكننا أن نفهم الكلمات التي استمعنا إليها للتو في الأنشودة: “في كل حلم بحثتُ عنك، وما كان بحثي باطلاً”. إنها تلخص بشكل جميل جداً الشهادات التي استمعنا إليها والعمل الذي يجري هنا كل يوم. فبالفعل، وبفضل حلم وباب صغير مفتوح—صغير في حجمه، لكنه رحب في رحمته، كما قال صاحب السيادة—منحت “نيوركا” طفليها “آريس” و”أثينا” الحياة، ومحبتها كأم، ونعمة المعمودية، والوعد بمستقبل سعيد. وبفضل حلم وذلك الباب الصغير نفسه، عبر “خضري” نفق الجائحة المظلم ورحلة مليئة بالمجهول. وبمساعدة الذين مدوا له يد العون، مظهرين له تقديرهم وإيمانهم به، وجد عملاً، واستعاد بشكل خاص الرغبة ليس فقط في المضي قدماً، بل في أن يكون هو الآخر سنداً لغيره، تماماً كما سانده الآخرون. وبفضل حلم وذلك الباب الصغير عينه أيضاً، تساعد “أليسيا” والمتطوعون الآخرون في “مشروع الرجاء” كل يوم العديد من النساء على استعادة كرامتهن، واستقلاليتهن، ورجائهن، واحترامهن للقيمة المقدسة لشخصهن، وبدء حياة جديدة.
تابع الحبر الأعظم يقول إن الرموز التي أهديتموني إياها تحمل هي الأخرى رسالة للجميع: فالشريط الذي يحمل أسماء الأطفال يعبِّر عن الفرح الذي يحمله كل مولود إلى العالم؛ ورخصة الإقامة تروي قصة كفاح، ولكنها تروي بشكل خاص قصة التزام وأمانة واستقبال؛ والنعال، التي تذكرنا بلقاء موسى مع الله في حوريب، تستحضر “الأرض المقدسة” التي نحن ملزمون باحترامها في كل حياة بشريّة. لذلك أشكركم من أعماق قلبي، جميعاً، على مشاركتكم هذه الخبرات المؤلمة، المليئة بالضياء في آنٍ معاً، والتي تعكس، كالمرايا، محبة الله.
أضاف الأب الاقدس يقول إن شهاداتكم تفتح لنا نافذة على أفق شاسع، يغص بأمهات لا حصر لهن مثل “نيوركا”، وبأطفال وبنساء ورجال، وبمتطوعين ومتطوعات: أشخاص كثيرون، إخوة وأخوات كثيرون، وقصص لا تحصى، لدرجة أنه كما يقول القديس يوحنا: “لو كتبت واحدة واحدة، لحسبتُ أن الدنيا نفسها لا تسع الأسفار التي تُدوَّن فيها”. والمقارنة مع الإنجيل ليست مبالغة، لأن في هذه القصص تستمر “الأعمال التي صنعها يسوع” والتي أشار إليها الإنجيلي.
تابع الحبر الأعظم يقول لقد ذكر رئيس الأساقفة في كلمته الطريق الذي يمتد من بيت لحم إلى الفردوس. ومدريد مشهورة أيضاً بمغارات الميلاد التي تزينها في زمن الميلاد. بيد أن جمالها ليس سوى تعبير باهت عن روعة أكبر وأعمق نجدها اليوم هنا. إن الأضواء والأصوات والترانيم التي تلامس قلوبنا وتغرورق لها عيوننا خلال أعياد الميلاد، نحملها في الواقع داخلنا، معنا وبيننا طوال السنة، وهي اليوم أكثر حيوية واتقاداً من أي وقت مضى في هذه المساحات، حول هذه “المغارة” البسيطة والمضيافة التي تواصلون، بعون الله، إعدادها يوماً بعد يوم—بل حرفياً ليلاً ونهاراً—من أجل يسوع، الحاضر في الأشخاص الذين يطرقون عتبة هذا المركز بحثاً عن المساعدة.
أضاف الأب الاقدس يقول لقد اختيرت كلمات يسوع لتلاميذه شعاراً لهذه الزيارة: “ارْفَعُوا عيونكم”. إنها دعوة لتأمل الحقول التي ابيضّت للحصاد، وتذكرنا بأن المحبة لا تحتمل التأجيل. فإذا لم يُحصد القمح عندما ينضج، فإنه يتلف، وهذه هي مسؤوليتنا أمام المحتاجين: مسؤولية تكرّس كل لقاء مع الآخر بوصفه “”Kairós، أي زمن نعمة فريداً ولا يتكرر للمحبة، لا ينبغي هدره أو تأجيله. إن محبة المسيح تدفعنا نحو الإخوة، والمحبة والاهتمام اللذان نجيب بهما على إلهاماتها هما برهان إيماننا.
تابع الحبر الأعظم يقول وإذا أمعنا النظر، فالحقيقة هي أنه “في كثير من الأحيان، يقع المسيحيون أيضاً في حبائل مواقف تتأثر بإيديولوجيات دنيوية أو بمواقف سياسية واقتصادية تؤدي إلى تعميمات جائرة واستنتاجات مضللة. وإن واقع تعرض ممارسة المحبة للازدراء أو السخرية، كما لو كانت مجرد هوس لدى البعض وليس النواة المتَّقدة لرسالة الكنيسة، يجعلني أرى أنه من الضروري دائماً العودة إلى قراءة الإنجيل، لئلا نقع في خطر استبداله بالذهنية الدنيوية. فلا يمكننا أن ننسى الفقراء إذا كنا لا نريد الخروج عن مجرى الكنيسة الحي الذي ينبع من الإنجيل ويخصِّب كل لحظة تاريخية”.
أضاف الأب الاقدس يقول إن كلمات يسوع هي أيضاً دعوة لتربية قلب حسّاس أمام احتياجات الآخرين، محافظين في داخلنا على الرغبة في الخير التي وضعها الله في إنسانيتنا والتي يحررها الإيمان ويثبتها. وفي هذا الصدد، كان البابا فرنسيس يقول: “أمام سر الحياة الشخصية وتحديات المجتمع، يبتهج المؤمن، ويكون لديه شغف، وحلم ينميه، واهتمام يدفعه للالتزام بصفة شخصية”، وحذَّر من خطر “القلب السأم، البارد، والمتكيف مع حياة رغيدة، والذي يتحصن في اللامبالاة ويصبح غير منفذ، ويتحجر”. إن القلب الحي هو قلب دافئ ونابض، ويمنح الحياة. أما القلب البارد فهو ساكن، لا يضخ الدم، ويسبب موت الإنسان.
تابع الحبر الأعظم يقول ولكنني أود أن أشدد على جانب أخير من دعوة الرب: إنها في الواقع دعوة أيضاً للنظر في عيون الذين يتألمون، ولجعل المساعدة أولاً لقاءً بين إخوة يجمعهم عناق الآب الواحد. وعلى هذا أيضاً شدد البابا فرنسيس كثيراً؛ إذ كان يتساءل: “عندما تقدم الصدقة، هل تنظر في عيني السائل؟ هل تلمس يده لتشعر بجسده؟”، وخلص إلى القول أن: “الصدقة ليست مجرد عمل خيري. إن الشخص الذي ينال نعمة أكبر من الصدقة هو المعطي، لأنه يجعل عيني الرب تنظران إليه”. فالذين يحبون حقاً “لا يكتفون بإعطاء شيء ما؛ بل يصغون، ويتحاورون، ويحاولون فهم الوضع وأسبابه […]. إنهم ينتبهون للاحتياجات المادية والروحية أيضاً، وللتعزيز المتكامل للإنسان”.
وخلص البابا لاوُن الرابع عشر إلى القول ويمكننا أن نختم بالنظر إلى مريم، التي يجد كل هذا في محبتها اكتماله: في محبتها الساهرة في قانا، والمتلهفة مقتفيةً خطوات ابنها، والقريبة والمشاركة حتى النهاية عند أقدام الصليب. إليها أوكل كل واحد منكم وعملكم، في هذه الأرض المكرسة لها، متمنياً أن يلهم روح أمومتها الشاملة صرخة الإيمان أكثر فأكثر. وإليها نرفع الصلاة قائلين: “علمينا أن نراكِ دائماً أماً، وينبوعاً للرحمة، وحضناً للغفران، وعناقاً للرجاء، وباباً للمجد”.
