من لوحات جوني ديب (حساب غاليري كاسيل فاين آرت على فيسبوك)
نفدَت أعمال الممثل الأميركي جوني ديب الفنية خلال ساعات قليلة من طرحها عبر إحدى الغاليريهات البريطانية (كاسيل فاين آرت)، محقّقة مبيعات بملايين الدولارات، وذلك ضمن مجموعته “أصدقاء وأبطال”. غير أنّ تجربة ديب لا تبدو استثناءً، إذ سبقه العديد من نجوم المجتمع في مجالات مختلفة، من السينما والأدب إلى السياسة، إلى خوض تجربة الرسم، وطرح أعمالهم في السوق بأرقام لا يحلم بها كثير من الفنانين المخضرمين حول العالم.
لا تبدو تجربة جوني ديب معزولة إذاً، بل تندرج ضمن مسار أوسع لنجوم عبروا إلى الرسم من خلفيات متباينة. في السينما، قدّم أنتوني هوبكينز لوحات تجريدية عرضها في معارض دولية، بينما عُرف جيم كاري بأعماله التعبيرية الحادة ذات الطابع السياسي والإنساني. وفي الأدب، مارس فيكتور هوغو الرسم إلى جانب الكتابة، تاركاً مئات الأعمال التي كشفت جانباً بصرياً موازياً لعالمه الروائي. أما في السياسة، فقد تحوّلت لوحات رئيس الوزراء البريطاني الراحل وينستون تشرشل إلى جزء من إرثه الثقافي. عربياً، خاض الشاعر المصري صلاح جاهين تجربة بصرية لافتة عبر رسومه الكاريكاتيرية، كما كان الأديب اللبناني جبران خليل جبران ممارساً للرسم، حتى قبل اشتغاله بالكتابة.
أعمال ما كانت لتحظى بذات الانتشار لو لم تحمل توقيعه
غير أن الفارق اليوم يكمن في طبيعة السوق وسرعة التداول، إذ تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً حاسماً في تضخيم الحدث وتحويله إلى ظاهرة. الفيديوهات التي تظهر ديب وهو يرسم، على سبيل المثال، ترسخ لصورة الفنان المتعدد المواهب، وهو تصوُّر يجد صدى واسعاً لدى جمهور يبحث عن صورة أكثر إنسانية وتعقيداً للنجم.
فهل نحن أمام تجربة فنية حقيقية بالفعل، أم أمام نجم يمدّ حضوره إلى وسيط آخر، مستفيداً من رصيده الجماهيري؟ من الواضح أن علاقة ديب مع الرسم ليست وليدة اللحظة، فالرجل الذي ارتبط اسمه لعقود بأدوار سينمائية صنعت له صورة أيقونية، مارس الرسم منذ سنوات طويلة كنشاط شخصي، مناسب لطبيعته الانعزالية، دون التفكير في عرض أعماله على الجمهور. غير أن انتقال هذه الممارسة من الخاص إلى العام، ومن الهواية إلى السوق، هو ما يفرض إعادة النظر فيها ضمن سياق أوسع يتجاوز النيّات الفردية إلى آليات التلقي والتسويق.
تقوم أعمال ديب، في معظمها، على رسم بورتريهات لشخصيات أثّرت في مسيرته، من موسيقيين وممثلين وكتّاب. وهي أعمال تميل إلى التبسيط الشكلي والمعالجة المباشرة، مع حضور واضح للنزعة التعبيرية التي تركز على الملامح الأساسية وتختزل التفاصيل، إضافة إلى بعض المعالجات القريبة من البوب آرت. لا يسعى جوني ديب هنا إلى مغامرة تشكيلية بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما يشتغل على استدعاء أيقونات ثقافية معروفة.
غير أنّ اختبار هذه الأعمال في سوق الفن قد لا يكون مؤشراً على جدارتها أو خصوصيتها، فمثل هذه النوعية من التجارب المرتبطة بالمشاهير يصبح الاسم فيها جزءاً من بنية العمل، أو شرطاً لتداوله. فالمتلقي يتعامل مع اللوحة امتداداً لصاحبها، والمقتني إذاً يشتري اسم صاحب اللوحة قبل اللوحة نفسها. وفي حالة ديب، لا يمكن تجاهل أن صورته ممثلاً، بكل ما تحمله من تراكمات بصرية وأدوار سينمائية، تسبق العمل الفني وتعيد تشكيل طريقة استقباله.
اختبار أعماله في سوق الفن ليس مؤشراً على جدارتها
لكن هل يعني ذلك أن تجربة ديب التشكيلية تفتقر إلى القيمة؟ ليس بالضرورة. فمن الممكن أن تكون ممارسة صادقة على المستوى الشخصي، تعكس ذائقة بصرية معينة وارتباطاً عاطفياً بشخصيات مؤثرة. غير أن تحويل هذه الممارسة إلى منتج فني متداول في السوق يضعها ضمن معايير أُخرى، تتعلق بالجودة والابتكار والسياق. وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل كانت هذه الأعمال ستحقق الانتشار نفسه لو قُدّمت باسم مجهول؟
الإجابة، على الأرجح، تميل إلى النفي. وهو ما يعيدنا إلى الفكرة الأساسية، وهي صعوبة فصل تجربة ديب التشكيلية عن نجوميته. فالأمر يتعلق بتأثير الشهرة على الإدراك ذاته. المتلقي يرى العمل من خلال صورة مسبقة، ويمنحه قيمة قد لا تكون نابعة من خصائصه الفنية وحدها. ومن هنا تصبح اللوحة وسيطاً إضافياً لحضور النجم، وليست منفصلة عنه تماماً.
في الحقيقة، لم يكن البعض متسامحاً مع تجربة ديب، ومن بينهم فنان البورتريه البريطاني بيتر هاوسون، الذي وصف أعمال ديب بأنها خدعة، مؤكداً أن سبب بيعها هو شخصية منفّذها وليس قيمتها الفنية. وذهب هاوسون إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن مشاهير مثل ديب يجعلون من الصعب على الفنانين الحقيقيين الحصول على فرصتهم في الظهور، ويرى هاوسون أن افتقار ديب إلى التدريب الأكاديمي والمؤسّسي يجعله أقرب إلى هاوٍ، لكنه مدعوم بآلة دعائية ضخمة.
مع ذلك، يمكن قراءة هذه التجربة من زاوية أخرى أقل حدة، فبدلاً من وضعها في مواجهة مباشرة مع معايير الفن النخبوي، يمكن اعتبارها جزءاً من تحولات أوسع في مفهوم الإنتاج الثقافي، إذ تتداخل الحدود بين الفنون وتتقاطع المسارات المهنية. في هذا السياق، لا يبدو غريباً أن ينتقل ممثل إلى الرسم، أو موسيقي إلى التصوير، في عالم باتت فيه الهوية الإبداعية أكثر سيولة. غير أنّ هذه السيولة لا تعفي النقد من مهمته، فالتعامل مع أعمال ديب، أو غيره من المشاهير، ينبغي ألّا يقع في فخ الإعجاب المسبق أو الرفض المطلق، إذ عليه أن ينطلق من قراءة بصرية دقيقة تضع العمل في سياقه، وتفكك علاقته بصاحبه وبالسوق وبالجمهور. وحده هذا التوازن يمكن أن يفتح المجال لفهم أعمق للظاهرة، بعيداً عن الانبهار السريع أو الأحكام الجاهزة.
يمكنا أن نسأل هنا، هل من الضروري حقاً فصل تجربة جوني ديب التشكيلية عن صورته ممثلاً، وهل هذا الفصل ممكن أو حتى ضروري؟ فربما تكمن خصوصية هذه التجربة تحديداً في هذا التداخل، في كونها تعبيراً عن مسار إبداعي متعدّد، يتغذى من السينما كما يتغذى من الرسم، ومن الشهرة كما من الرغبة في التعبير. وبين هذين الحدين، تتشكل تجربة تظل مفتوحة على التأويل، بقدر ما تكشف عن زمن لم يعد فيه من السهل الفصل بين العمل وصاحبه.
