في إطار زيارته الرسولية التاريخية إلى إسبانيا، شهدت العاصمة مدريد حدثًا استثنائيًا تجسدت فيه أبهى صور الحوار الإنساني والروحي، حيث توجه قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى ملعب “موفيستار أرينا” الشهير، ليلتقي بحشد غفير يمثلون عصب المجتمع النابض من رواد ومبدعي مجالات الفن، الثقافة، الاقتصاد، والرياضة
وقد استُهل اللقاء بكلمة ترحيبية مفعمة بالمحبة والتقدير وجهها سيادة الكاردينال خوسيه كابو كانو، رئيس أساقفة مدريد، أعرب فيها عن فرحة الكنيسة والشعب الإسباني بهذه الزيارة الأبوية السامية. وعقب ذلك، اعتلى الأب الأقدس المنصة ليوجه خطابه الراعوي الشامل إلى المحتشدين والحاضرين في الاستاد، واصفًا هذا الفضاء بأنه المكان الذي يجمع أعمق المشاعر الإنسانية من الفرح، والأمل، وإبداع، ومرحبًا بالجميع قائلًا
إنه لمن دواعي سروري أن ألتقي بكم في هذا المكان، وهو فضاء لا يستضيف الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية فحسب، بل يضم أيضًا أعمق المشاعر الإنسانية: الفرح والإعجاب، الحماس والأمل، فضلاً عن الحزن والإحباط.
تابع الأب الأقدس يقول في هذا البلد الرائع، لا يمكن للمرء إلا أن يعجب ببصمة الإبداع التي تتخلل تاريخه وتصيغ هويته. إنه جمال مرئي في مدنه، وشوارعه، ومعالمه الأثرية، في ساحاته وحدائقه، في جامعاته وكنائسه، في الموسيقى، والرسم، والرقص، وفي فن الطهي الخاص به. هنا نلمس أيضًا روح الأجيال التي غيرت المشهد الطبيعي ومنحته وجهًا خاصًا به، وهذا يكشف لنا في كل ملمح عن الذكاء والإرادة الكامنين في النفس البشرية. وأضاف بعد التأمل بعناية في هذه العجائب التي صنعتها الأجيال السابقة، يطرح حتمًا سؤال يتحدانا جميعًا: ما هو الإرث الذي نتركه للمستقبل، وبالتالي، أي نوع من المجتمعات نحن بصدد بنائه؟
تابع الحبر الأعظم بالقول لقد استمعت باهتمام كبير إلى كل مداخلات المتحدثين، وأنا أتفق معكم. إن مجتمعنا، في الواقع، يمتلك قدرة استثنائية على الإنتاج، والابتكار، والتواصل؛ ومع ذلك، يبدو أننا ما زلنا بحاجة إلى تعلم كيفية صون وحماية “روح” ما ينتجه هذا المجتمع. وإلا، فإننا نواجه خطر أن نكون خبراء في وسائل الإعلام وفعّالين في الإنتاج، ولكن غير متيقنين من السبب، ولأي غرض، ومع مَن ولأجل مَن نُنتج. وأضاف في هذا السياق، فإن الكنيسة، الواعية لنجاحاتها وأخطائها على حد سواء عبر التاريخ، ترغب في البقاء في حوار مع العالم المعاصر.
واكد الحبر الأعظم إن الرغبة في الخير والجمال والحقيقة متجذرة في الحمض النووي للبشرية؛ وانطلاقًا من هذا التطلع الإنساني العميق ومن خبرتنا الممتدة لقرون، تقترح الكنيسة مسارات لحياة كريمة وللخير العام. وفي هذا الصدد، أكد القديس بولس السادس أمام الأمم المتحدة أنه بغض النظر عن الرأي الذي قد يحمله المرء تجاه حبر روما، فإن رسالته معروفة جيدًا. وباعتبارها «خبيرتاً في الإنسانية»، فإن الكنيسة لا تنفصل عن أي شيء إنساني حقًا (راجع: فرح ورجاء، 1). ولهذا السبب أضاف الحبر الأعظم يقول فإن «الاستعداد للحوار هو جزء لا يتجزأ من دعوتها» (الإنسانية الرائعة، 2). واليوم نرى كيف أن المسألة الحاسمَة لا تزال هي نفسها: ماذا يعني أن نكون بشرًا حقًا؟
تابع البابا لاوُن الرابع عشر بالقول تشارك الكنيسة بتواضع ولكن بحزم أيضًا ما اكتشفته في خبرة الإيمان: أن يسوع المسيح يجيب على الأسئلة الكبرى حول الحياة البشرية وملئها، بدءًا من هذا العالم وحتى ذروتها في الأبدية. «لهذا السبب، يظل الشخص البشري دائمًا “الطريق الأول والأساسي للكنيسة” وقلب كل مسار أصيل للتنمية البشرية المتكاملة». وبالتالي، لا يمكن للكنيسة أن تنأى بنفسها عن الثقافة، لأنه من خلالها يكون الإنسان، بما هو إنسان، “أكثر وجودًا” (العقيدة الاجتماعية للكنيسة، 554).
وتابع الأب الأقدس يقول ولأن مصطلح “الثقافة” (Cultura) يستدعي مفهوم “الزراعة ” (Coltivazione)، كما يشير الجذر اللغوي المشترك بين المصطلحين، فإننا مدعوون لأن نسأل أنفسنا عما نزرعه اليوم، وما الذي يزهر وما الذي يذبل بصمت في مجتمعنا؛ ما هي القيم التي نحافظ عليها وتلك التي نتركها تموت. إنها أسئلة عميقة وضرورية ولا يمكن تجاهلها. وأضاف قداسته وللإجابة على هذه الأسئلة، هناك حاجة إلى حوار اجتماعي يمكننا تشبيهه بفن نَسْجِ الشبكات، وهو فن يتطلب اللقاء، والإصغاء، والحوار، والاحترام. وفي مختلف مجالات النشاط البشري، يجب أن ننتبه إلى اللغة المستخدمة: المكتوبة، والشفهية، وفي البيئة الرقمية، لغة الصور أيضًا؛ لأن التواصل ليس محايدًا أبدًا. كل تعبير يتواصل وينقل رسالة؛ يمكنه أن يجرح أو يداوي، أن يدمر التوقعات أو يفتح آفاقًا جديدة، أن يزرع الانقسام أو يوقظ الأمل في إمكانية بناء شيء إنساني أصيل معًا.
وأكد قداسته بالقول فنَسْجُ الشبكات هو إذ حوار بين المؤسسات يتركز حول الكرامة الإنسانية. وهذا يعني، على سبيل المثال، ألا تدير الجامعة ظهرها لعالم العمل ولا تتخلى عن الحقيقة؛ وألا يرى النشاط التجاري في الموظف مجرد عامل بسيط في معادلة مصالحه الخاصة؛ وألا يكون الفن موجهًا فقط للنخبة؛ وألا تُختزل الرياضة في مجرد عرض أو تتحول إلى مجرد تجارة؛ وأن يأخذ التقدم التكنولوجي في الاعتبار كبار السن، والفقراء، ومن لا صوت لهم. إن مساهمتنا في الحوار، انطلاقًا من رؤية مسيحية للحياة، تنبع من الإدراك بأن الخالق قد نسج الكائن البشري بخيوط من حب؛ إذ خُلق على صورة الله ومثاله، والله محبة (رسالة يوحنا الأولى 4، 8). وهنا يكمن أساس الكرامة الإنسانية غير القابلة للتصرف، والتي يُشكل احترامها المطلق قاعدة الحوار.
تابع البابا لاون الرابع عشر بالقول ثانيًا، نَسْجُ الشبكات يعني الإبداع معًا. فقد قال البابا بندكتس السادس عشر: «الإيمان هو محبة ولذلك فهو يبدع شعرًا ويبدع موسيقى. الإيمان هو فرح، ولذلك يبدع جمالاً». لقد اختبرنا جميعًا شيئًا جميلاً غيرنا من الداخل: أغنية، قصيدة، كنيسة صامتة، صوت، نظرة، أو حتى مباراة كرة سلة مع الأصدقاء. فلا عجب إذن أن التبشير بالبشرى السارة والوعي بكوننا إخوة يعبران عن نفسهما في شكل ترانيم “السايتا” (Saeta) خلال الأسبوع الآلام، وفي الشعر الصوفي والبراعة الأدبية لدى كتاب مثل لوبي دي فيغا، أو القديسة تيريزا الآفيلية، أو القديس يوحنا الصليب، أو كالديرون دي لا باركا، أو في النثر الرصين للقديس توما الأكويني، الذي ورثنا منه الأناشيد الجميلة لـ “عيد الجسد” (Corpus Domini) الذي نحتفل به اليوم. كل هذا يظهر الرابط بين ما هو مادي وروحي والذي يُشكل وجودنا.
تابع الأب الأقدس يقول ثالثًا، نَسْجُ الشبكات يعني الخدمة الغير مشروطة. وتكشف نظرة موضوعية أن رجالاً ونساءً حركهم الإيمان قد بنوا مستشفيات ومدارس، وأطلقوا مبادرات تضامنية، وتحدثوا بلغة ترفع من شأن الناس وتُنبّلهم. ولهذا فمن المشروع أن نسأل بصدق عما إذا كان العالم – وأوروبا بشكل خاص – سيصيغ هويته دون البصمة الروحية التي تخللت تاريخه. إنها ليست دعوة للاستفزاز، بل دعوة للتأمل فيما إذا كانت الأبدية، التي اقتحمت الزمان والمكان من خلال تجسد يسوع المسيح، يمكن أن تتصالح مع الحياة اليومية. هل من الممكن حقًا الاعتقاد بأن أوروبا – التي نحبها كثيرًا – ستكون هي نفسها بدون بصمة الإيمان؟ ولماذا الخوف من أن تتخلل الأبدية تفاصيل الحياة اليومية؟ إن صرخة أسلافي لا تزال حية: لا تخافوا! افتحوا الأبواب مشرعة للمسيح! إن يسوع المسيح لا يأخذ منا شيئًا بل يمنحنا كل شيء.
وأضاف قداسة البابا لاون الرابع عشر بالقول أود أن أسأل نفسي بصوت عالٍ: مَن الذي يتم استبعاده رغم فضائله وقدراته؟ لا يمكننا أن نتجاهل أن وضع الفقراء يمثل صرخة تتحدى باستمرار، في تاريخ البشرية، حياتنا ومجتمعاتنا وأنظمتنا السياسية والاقتصادية والكنيسة نفسها. إن المسيح في الواقع يعيد للخير العام المكانة التي تليق به كحَكَم حكيم يهدئ جشع البعض ويغذي أمل الآخرين، في حين يرغب في خلاصهم جميعًا. إن هذه الكنيسة، الخبيرة في الإنسانية، حتى وإن سارت أحيانًا عكس التيار، تصر على أن «الهياكل الاقتصادية والمؤسسية تكون عادلة فقط بقدر ما تخدم التنمية المتكاملة للشخص البشري وتعزز المشاركة المسؤولة للجميع» (الإنسانية الرائعة، 34).
وفي النهاية استكمل قداسة البابا لاون الرابع عشر كلمته في إستاد موفي ستار في العاصمة الإسبانية مدريد بالقول اسمحوا لي أخيرًا أن أوجه انتباهكم إلى عالم لا يخفى عليكم أنه ليس غريبًا عني: عالم الرياضة. لنتذكر كم منا تعلم احترام الخصم على أرض الملعب بدلاً من تعلمه عبر الاستماع إلى خطاب. كم من الرياضيين يعلموننا كيف نخسر دون كراهية، وكيف نربح دون إذلال، أو كيف ننهض بعد السقوط. وفي هذا الصدد، قال القديس يوحنا بولس الثاني، بصفته رياضيًا وراعيًا: «في هذه الأوقات، التي تميل فيها للأسف أشكال مختلفة من العنف وبالتالي الكراهية بشكل مشؤوم إلى تمزيق نسيج التضامن الاجتماعي، فإنكم [أيها الرياضيون] تساهمون، من جانبكم، في تقديم شهادة مضيئة على التماسك والسلام والاتحاد، وباختصار، على “معرفة كيفية العيش معًا”». إن هذه العبارات هي أكثر حداثة وملاءمة اليوم مما كانت عليه عندما دوت للمرة الاولى.
وختم قداسته أيها الأصدقاء الأعزاء، أدعوكم إذن لتكونوا خيوطًا جديدة لنَسْجِ شبكات جديدة تناغم بين جميع مجالات الحياة، لنسج مجتمع متجدد يتشبع فيه الزمان بالأبدية، وتصون فيه الثقافة الذاكرة وتعزز الحوار، ويروج فيه التعليم للبحث عن الحقيقة بروح نقدية، ويثير فيه الفن الدهشة ويولد مشاعر نبيلة، وتعترف فيه الشركات بكرامة الشخص البشري، ويستمر فيه العمل كمحرك للأمل.
دعا البابا في نهاية كلمته لنصبح خيوطًا جديدة متبعين نصيحة القديس بولس: «افرَحوا معَ الفرِحينَ واَبكوا معَ الباكينَ. كونوا مُتَّفِقينَ بَعضُكُم معَ بَعضٍ. لا تتَكبَّروا، بل مالِؤوا الوَضيعينَ. لا تَحسَبوا أنفُسَكُم حُكماءَ. لا تُجازوا أحَدًا عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ. واَجتَهِدوا في أنْ تَعمَلوا الصّالِـحَ أمامَ جَميعِ النّاسِ. سالِموا جَميعَ النّاسِ إنْ أمكَنَ، على قَدرِ طاقَتِكُم» (روما 12، 15-18). لأن الرهان في كل هذا هو أن تستمر إنسانيتنا الرائعة في التألق مستقبلاً. شكرًا لكم!
