في حفل توزيع جوائز الحكّام السادس عشر، لوس أنجليس، نوفمبر 2025 (جيلبرت فلوريس / Getty)

بعد فيلم “المفضّلة” (The Favourite) الذي صدر عام 2018، ابتعد المخرج اليوناني يورغوس لانثيموس عن صناعة الأفلام مدة خمس سنوات. وخلال تلك الفترة، انتقل من اليونان إلى لوس أنجليس وكرّس وقته لتطوير ثلاثة مشاريع، ضمن عمل مكثّف.

كانت النتيجة حافلة بالنشاط؛ فبعد عودته من تلك الاستراحة، أصدر لانثيموس ثلاثة أفلام خلال ثلاثة أعوام متتالية: “كائنات بائسة” (Poor Things)، و”أنواع من اللطف” (Kinds of Kindness)، و”بوغونيا” (Bugonia). إنها فترة إنتاجية استثنائية، وبالنظر إلى تصريحاته الأخيرة، فقد يكون مستعداً للابتعاد عن الإخراج مرة أخرى، وربما لفترة أطول بكثير.

في مقابلة مع صحيفة فاينانشال تايمز، كان لانثيموس يروّج لمعرضه الفوتوغرافي، واصفاً التقاط الصور بأنه “مُحرِّر” مقارنة بضغوط صناعة الأفلام. وقال: “يمكنك ببساطة أن تتجول حاملاً كاميرا. إنه نشاط فردي، وتأملي إلى حد ما. لا تحتاج إلى فكرة محددة، ولا إلى هدف نهائي. ولا تحتاج إلى البحث عن تمويل”.

ومع ذلك، فإن السؤال الذي يهمنا حقاً هو ما إذا كان سيصنع المزيد من الأفلام أم لا، وقد تكون إجابته مفاجئة: “في هذه المرحلة أقول: هل سأصنع المزيد من الأفلام؟ لا أعلم، سنرى. أحتاج إلى أن أجد مجدداً متعة صناعة الأفلام. أريد أن يأتي ذلك طبيعياً، بدلاً من أن أضغط على نفسي”.

ينتهي فيلم لانثيموس الأخير “بوغونيا” (Bugonia) بفناء البشرية، ويرى لانثيموس أن ذلك يمثل استعارة لمسيرته السينمائية الخاصة، إذ يقول إنه سيحتاج إلى “ولادة جديدة” قبل أن يعود إلى صناعة الأفلام مرة أخرى.

في العام الماضي، وخلال مقابلة مع موقع كولايدر (Collider)، اعترف لانثيموس بأنه لم يعد قادراً على العمل بالوتيرة التي حافظ عليها خلال السنوات الأخيرة، مؤكداً أنه استنفد طاقته تماماً ويحتاج إلى التراجع قليلاً.

في هذا السياق، قال: “حسناً، لم يعد بإمكاني الاستمرار في فعل ذلك بعد الآن. هذا ما أنا متأكد منه حالياً. إنه خطأ كبير. أعتقد أنني بحاجة إلى استراحة. لقد قلت ذلك من قبل بين الأفلام الثلاثة الأخرى، لكنني جاد هذه المرة. يمكنكم محاسبتي على ذلك. سأحصل على استراحة قصيرة… تجد الإرادة والقوة للاستمرار، لكن في مرحلة ما تنفد تلك الطاقة. ونحن الآن عند تلك المرحلة”.

منذ فيلمه “ناب الكلب” (Dogtooth) عام 2009، قدّم لانثيموس عدداً من الأفلام القوية، وقد حصلت ثلاثة من آخر أربعة أفلام له (“المفضّلة” و”كائنات بائسة” و”بوغونيا”) على ترشيحات لجائزة أفضل فيلم في عدد من المحافل السينمائية العالمية.

وبحسب ما نعرفه حالياً، فإن لانثيموس يبتعد عن صناعة الأفلام، بينما لا يزال هناك مشروعان قيد التطوير يمكنه بالطبع العودة إليهما إذا قرر استئناف صناعة السينما يوماً ما: اقتباس سينمائي لرواية الكاتبة أوتيسا موشفيغ “عامي من الراحة والاسترخاء” (My Year of Rest and Relaxation)، واقتباس لرواية الكاتب جان-باتريك مانشيت القصيرة “فاتال” (Fatale)، التي تدور حول قاتلة مأجورة.

وقد أدت الممثلة إيما ستون دور البطولة في آخر أربعة أفلام للانثيموس، بينما تولى مدير التصوير روبي رايان إنجازها. ومعاً، طوّر الثلاثي أسلوباً بصرياً مميزاً ومتجذراً بعمق، يتسم بالاستخدام المتكرر لعدسات عين السمكة (Fisheye Lenses) والكاميرا المتحركة بانسيابية وتجوال مستمر.

وما ظل ثابتاً في أعمال لانثيموس طوال العقدين الماضيين هو الطريقة التي استلهم بها النزعة التمردية وكسر التقاليد الموجودة في سينما المخرج الإسباني لويس بونويل، ثم مزجها بالبرود العاطفي المرتبط بأسلوب المخرج ستانلي كوبريك؛ أي ذلك الافتقار شبه الكامل إلى التعاطف مع الشخصيات، وهو نهج يسعى إليه المخرج اليوناني باستمرار.

وهذا، مثلاً، ما ينطبق على فيلميه “ذا لوبستر” (The Lobster) و”مقتل الغزال المقدس” (The Killing of a Sacred Deer). ومن خلال هذه العملية، نجح في خلق صوت سينمائي خاص به بالكامل، يتميز بفرادته وتصعب مقارنته بأي مخرج آخر.