بمناسبة طرح فيلم «مايكل» في الصالات المحلية والعالمية فإن المرء يتذكر تلك الأيقونة الغنائية التي سحرت الأجيال منذ السبعينيات حتى وفاته عام 2009. فرغم عدم إعجاب النقاد بالفيلم ورغم أن بعضهم لم يتردد في وصفه بالسيئ إلا أن أرقام شباك التذاكر تتحدث بلغة الأرباح.

فقد حقق الفيلم ميزانيته وتجاوزها في أسبوع العرض الأول، وهو اليوم يتجاوز الـ 800 مليون دولار يعني ثلاثة أضعاف الاستثمار.

نعود إلى مايكل جاكسون، ولو قلنا الفنان لظلمناه، ولو قلنا المغني لأهنّاه. جاكسون لا يقل عن ظاهرة استثنائية لم تتكرر أبداً في عالم الغناء. لم يكن له مقلدون قط لسبب بسيط:

مايكل جاكسون صنع تصنيفاً موسيقياً خاصاً به، فلم يتمكن أحد من مزاحمته. هو صانع التصنيف وهو الذي فكك شفرات التصنيف وقلبه رأساً على عقب عندما أراد ذلك.

​أُطلق ألبوم «Off the Wall»، عندما كان جاكسون في الحادية والعشرين من عمره، ليكون بمثابة إعلان رسمي عن دخوله مرحلة النضج والرشد. ويُعتبر هذا الألبوم، الذي شارك في إنتاجه الموزع الشهير «كوينسي جونز»، على نطاق واسع، تحفة فنية تجسد أواخر عصر موسيقى «الديسكو» وبدايات حقبة الـ «R&B» في أوائل الثمانينيات.

تتسم بالنبرة الدافئة والحيوية وتضرب بجذورها عميقاً في الاعتماد على الآلات الموسيقية الحية (مثل الآلات الوترية الانسيابية، وآلات النفخ النحاسية والخطوط الإيقاعية لغيتار Bass).

جاءت طبقات صوت جاكسون مبهجة واحتفالية، لتعكس مشاعر الحرية لشاب يخطو أولى خطواته نحو صياغة هويته المستقلة. على الرغم من النجاح الساحق الذي حققه ألبوم «Off the Wall»، إلا أنه أُقصي واستُبعد من الترشح لجائزة «ألبوم العام» في حفل توزيع جوائز الغرامي.

وهو الأمر الذي أصاب جاكسون بإحباط شديد؛ حيث قطع حينها عهداً شهيراً على نفسه بأن يكون عمله القادم ألبوماً «كل أغنية فيه بمثابة ضربة قاضية».

​وللانتقال من مرحلة «Off the Wall» إلى آفاق ألبوم «Thriller»، عمد جاكسون بكل وعي إلى توسيع رقعته الغنائية رغبةً منه في اختراق وتجاوز كل الحواجز الديموغرافية الممكنة، سواء كانت حواجز تتعلق بالعمر، أو العرق، أو التصنيف الموسيقي؛ ليتحول بذلك من مجرد مغنٍ بارع في موسيقى الـ «R&B» والديسكو، إلى فنان بوب مسرحي وشامل يتخطى حدود الأنواع الموسيقية التقليدية ويتمرد عليها. ​

في هذا الألبوم عمد جاكسون إلى أداء أكثر حدة، وشراسة، وإلحاحاً؛ حيث كثّف جاكسون من استخدام لزماته الصوتية الشهيرة كـ «الشهقات» والأنفاس المتقطعة، بالإضافة إلى أسلوبه الهجومي في تفتيت العبارات الغنائية وإلقائها بنبرة إيقاعية حاسمة.

​كسر الحواجز العرقية

قبل صدور ألبوم «Thriller»، كان من النادر أن تعرض قناة «MTV» مقاطع فيديو موسيقية لفنانين سود؛ غير أن الجودة الفائقة والشعبية الجارفة لأغنيتي «Billie Jean» و«Beat It» أرغمت القناة على تغيير سياستها البرامجية، الأمر الذي فتح الأبواب على مصراعيها أمام أجيال متعاقبة من فنانين تنتمي لأقليات عرقية.

​الفيديو كليب كفيلم قصير

أحدث جاكسون نقلة نوعية في مفهوم «الفيديو كليب»، محولاً إياه من مجرد مقطع ترويجي بسيط إلى عمل فني روائي ضخم الميزانية. وقد أسهم فيلم «Thriller» الموسيقي، الممتد لـ 14 دقيقة، في إحداث ثورة في مبيعات أشرطة الفيديو المنزلية وإعادة صياغة تاريخ الإعلام المرئي

. أصبح هذا العمل الألبوم الأكثر مبيعاً في تاريخ الموسيقى على الإطلاق، وهو ما غيّر وجه الاستثمار في صناعة الموسيقى بشكل جذري، ليصبح التركيز منصباً على إنتاج ألبومات ضخمة ومكتسحة ترافقها حملات ترويجية مكثفة تعتمد على إطلاق أغنيات منفردة متعددة ومتتالية.

كانت أغنية «Beat It» بمثابة مجازفة كبرى آتت ثمارها بشكل مذهل؛ إذ كان استدعاء عازف الغيتار الشهير «إيدي فان هيلين» لتقديم تلك المعزوفة المنفردة الصاخبة والمبهرة (بدون إدراج اسمه رسمياً في قائمة العمل) بمثابة ضربة عبقرية خالصة. ​

لقد نجحت هذه الخطوة في تحطيم القوالب الإذاعية الصارمة التي سادت في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن أجبرت محطات إذاعة الروك على بث أعمال فنان أسود ينتمي لعالم الـ «R&B»، وفي الوقت ذاته، دفعت محطات الـ «R&B» إلى بث موسيقى «الهارد روك».