آن ماري جاسر: تحويل التاريخ إلى تجربة إنسانية (توماس سامسون/فرانس برس)

منذ أسابيع، يُثير بيان الروائي إبراهيم نصرالله ضجّة في المشهدين السينمائي والنقدي، بشأن صلة بين روايته “زمن الخيول البيضاء” (2007) بـ”فلسطين 36″ (2025) لآن ماري جاسر، ويستعيد الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الانتداب البريطاني عام 1936، لتروي وقائع يومية في سِير أناس، قدرهم مواجهة الاحتلال دائماً، البريطاني أولاً فالإسرائيلي.

سرد تلك الحكايات الفردية، التي تُعاش يومياً في مناخ ضاغط (الانتداب البريطاني، استمرار تدفّق اليهود إلى فلسطين، النزاعات الفلسطينية الداخلية، أحوال عائلات ومصائر أفرادها، صراع طبقي بين فئات اجتماعية فلسطينية، إلخ)، مشغول بسلاسة تُخفِّف قليلاً ثقل التاريخ والوقائع، وتُبرز حساسيات فردية، تعكس شيئاً من راهن ومرارته.

بيان نصرالله يذكر أنّ هناك “تشابهات جوهرية” في الفيلم مع روايته، في عدد من الشخصيات الرئيسية، وسياق الأحداث، والبنية الدرامية والسردية للعمل. في المقابل، يُشير بيان أسرة الفيلم إلى جهد جماعي يبذله مؤرّخون وأكاديميون وأدباء، بمشاركتهم في مراحل البحث والتطوير، بدءاً من وزارة الثقافة الفلسطينية، إضافة إلى جوني منصور وتشارلز أندرسون ورلى شهوان، والبروفسورة إليزابيث تومبسون، والروائية سلمى الدباغ وغيرهم، “الذين تتشرّف شارة الفيلم بإدراج أسمائهم تقديراً لبصمتهم المعرفية”.

الفيلم يُشاهَد في مهرجانات وصالات أجنبية وعربية بتقدير واهتمام جماهيريين، وبنقاش نقدي، بعضه يرى أن الأسلوب البصري الكلاسيكي المعتَمد لا يحجب أهمية ما يُروى، قصة وسرداً وأسلوباً.

رغم هذا، يكتفي حوار “العربي الجديد” مع جاسر بكيفية الاشتغال السابق على الكتابة، وبارتباطها العاطفي بحكايات أهل وأجداد.

(*) مشاهدة “فلسطين 36″، بل حتى قبل مشاهدته، أي بمتابعة أخباره، تُثير تساؤلاً حول كيفية التعامل مع المراجع التاريخية. في بيان “أسرة الفيلم”، إشارة إلى أنّ مؤرّخين ومختصّين وأدباء كانوا أساس البحث السابق على الكتابة. أودّ أولاً سؤالك عن كيفية اختيارك هؤلاء: معرفة سابقة بهم/بهن؟ شهرة موثوق بها لهم/لهنّ في هذا المجال؟ توصية أو نصيحة من جهات إنتاجية؟

ذُكر عدد من المؤرّخين والأكاديميين شاركوا مباشرة في عملية التطوير. لكنهم بعيدون عن أن يكونوا “الجميع”. ذكرتُ سابقاً أني لم أرَ أبداً فلسطين في الثلاثينيات مُصوّرة على الشاشة، لكني أعتبر نفسي محظوظة جداً، لأنّ هناك قدراً هائلاً من العمل المُنجَز عن هذه الفترة، حقّقه عدد كبير من المؤرّخين والأكاديميين والباحثين والدارسين.

في نحو ثمانية أعوام، انغمست في أعمالهم، التي تشتمل على اليوميات الشخصية، والمذكرات، والتاريخ الشفهي، والأرشيفات. هناك ما لا يقلّ عن 30 مصدراً قرأتها أو استشرت بها قبل البدء في كتابة السيناريو. بعد أن أنجزت السيناريو، تمّ أيضاً تدقيق في النصّ أجراه مؤرّخون وأكاديميون، جميعهم أصحاب سمعة راسخة في مجالهم. كل تفصيل مرّ بعملية كبيرة. حتى بالنسبة إلى الحوار، إذ عملت مع خبير حوار في مراجعة كل سطر في الفيلم، للتأكّد من أنه أصيل، ليس بخصوص اللهجة فحسب، بل أيضاً بخصوص مفردات الثلاثينيات تلك، بما في ذلك كلمات لم نعد نستخدمها اليوم في فلسطين.

 

(*) هل يُمكن أن أحدهم/إحداهنّ قرأ رواية إبراهيم نصرالله “زمن الخيول البيضاء”، وتأثّر بها إلى حدّ إدخاله شيئاً منها في البحث فالكتابة، من دون قصد؟

تمّ التشاور مع المؤرّخين والأكاديميين فقط على أساس معرفتهم، بصفتهم مؤرّخين وخبراء في الفترة الزمنية لفلسطين في الثلاثينيات، تحت حكم الانتداب البريطاني. لم يُدخِل أحدٌ منهم أي عناصر إبداعية إلى السيناريو، ولم يكن لأي منهم مساهمة فنية. الشخص الوحيد الذي كان مشاركاً إبداعياً هي الروائية سلمى الدباغ، التي يركّز جزء كبير من عملها على هذه الفترة.

مثلي، أكّدت سلمى أنها لم تقرأ أبداً رواية “زمن الخيول البيضاء”. كانت مصادرنا تاريخية وواقعية: كتب التاريخ، الشهادات، الوثائق، الأرشيفات، المراجع الأكاديمية، الذاكرة العائلية والجماعية.

(*) سؤالي السابق نابعٌ من قناعة لديّ، أنّ كل نتاج أدبي أو سينمائي أو فني، يختار لحظة تاريخية، لا بُدّ أن تكون مراجعه الموثوق بها متاحة لكثيرين وكثيرات، ما يعني أن هناك إمكانية كبيرة لـ”تشابه” أحداث وشخصيات ووقائع بين أكثر من عمل، يروي تلك اللحظة نفسها. لكن الأهمّ كامن في النتاج نفسه، وفي كيفية اشتغاله. ما رأيك؟

بالتأكيد أتفق مع ذلك. في سنوات البحث التي أمضيتها من أجل “فلسطين 36″، اندهشت من حجم ما كُتب عن هذه الفترة. أنا لم أكن موجودة في الثلاثينيات. كان البحثُ الجزءَ الأهم في العمل. من خلال البحث وتخيّل هذا العالم، وُلدت شخصيات الفيلم. ومن خلال قصص عائلتي وذكرياتها، عاشت الشخصيات. كلّما تعمّق المرء في البحث يرى أن كل قرية في فلسطين تعرّضت لعدوان عسكري وحشي. أحداث تكرّرت مراراً في أنحاء فلسطين، وتتكرّر اليوم طبعاً.

في أعمال الأكاديميين، نرى الأحداث الكبرى نفسها تتكرّر، فالتاريخ واحد. أحداث قرية واحدة، تتعرّض لمداهمة عسكرية، تتكرّر في مئات القرى. عندما يتناول أكثر من عمل لحظة تاريخية محدّدة، خصوصاً لحظة مهمّة كالثورة الفلسطينية الكبرى، طبيعي أن تتداخل بعض العناصر. ليس لأن عملاً ما اقتُبس من آخر، بل لأن الجميع يعودون إلى الأرضية التاريخية نفسها.

كتابة فيلم عن الثورة الفلسطينية الكبرى ستقود حتماً إلى بعض الأحداث والرموز والسياقات نفسها: الإضراب، القرى، العلاقات بين الفلاحين والمدينة، سلطات الانتداب، القمع، الثوار، الميناء، الاعتقالات، البيوت، العائلات، الشخصيات الدينية، الخوف، المقاومة، الانقسامات داخل المجتمع بين من يريدون الصمود ومن يريدون النجاة فقط. هذه عناصر من التاريخ، والتاريخ لنا جميعاً.

إذا أخذنا الحرب العالمية الثانية مثالاً، نجد عشرات الأفلام تتعامل مع الأحداث نفسها، أو لحظات متشابهة جداً: إنزال النورماندي، الاحتلال النازي، حركات المقاومة، المعسكرات، المدنيون الذين يعيشون الحرب، الجنود في الجبهة. مع ذلك، لا يدّعي أحدٌ أن كل فيلم عن إنزال النورماندي مُشتقٌ من آخر، لمجرّد أنه يصوّر اليوم نفسه، أو الحدث نفسه. يكمن الاختلاف في المنظور، والشخصيات، والبنية، واللغة البصرية، والمعنى الذي يُمنح للتجربة.

بالنسبة إليّ، السؤال الأهم ليس: هل هناك عناصر تاريخية مشتركة؟ بل: كيف يعالج كل عمل هذه العناصر؟ ما البنية الدرامية؟ من الشخصيات؟ ما المنظور؟ ما اللغة السينمائية؟ ما العلاقة بين الشخصي والجماعي؟ كيف يتحول التاريخ إلى تجربة إنسانية وفنية؟

(*) إلى أي مدى كنتِ حاضرة في مسار البحث التاريخي، قبل الكتابة؟

شاركتُ شخصياً في عملية البحث منذ البداية، وبطريقة مباشرة. جاءتني فكرة صنع فيلم عن عام 1936، إحدى أهم اللحظات في تاريخنا بصفتنا فلسطينيين، عندما كنت حاملاً بابنتي. قصص أبي وأمي أحملها قريبة جداً من قلبي. أكنّ امتناناً عميقاً لمؤرّخينا وأكاديميينا في عملهم على هذه الفترة. لم أكن أستطيع أن أصنع الفيلم من دونهم.

أكثر من ذلك، الناجون وشهداء الثورة، الذين بذلت أقصى ما أستطيع لتكريم قصصهم وذكرياتهم. بنيت السيناريو، وكل شخصية، وكل حبكة، بعد أن كرّست نفسي نحو عقد من البحث الذي أجريته أنا شخصياً، بإلهام من شعبنا كله.

البحث ليس مرحلة منفصلة عن الكتابة. إنه جزء من تكوين الفيلم نفسه. قرأت واستمعت وراجعت وتساءلت، وأعدت النظر في الشخصيات والمشاهد، بناءً على ما كشفه بحثي. بالنسبة إليّ، البحث التاريخي ليس مجرّد جمع معلومات. إنه عملية دخول إلى زمن آخر: كيف كان الناس يتحدّثون؟ كيف كانت النساء يتحرّكن داخل المجتمع؟ كيف كان الخوف يظهر في البيت؟ كيف كانت السلطة تُمارَس؟ كيف كان الفلاح يرى المدينة؟ كيف كان عامل الميناء يفهم السياسة؟ كيف كانت الحياة اليومية تستمر وسط العنف؟