ديفيد هوكني أمام لوحته قدوم الربيع في وولدغيت، شرق يوركشاير (2011) باريس 2017 (Getty)

توفي، أمس الخميس، الفنان التشكيلي البريطاني ديفيد هوكني عن عمر يناهز 88 عاماً في لندن. برحيله يُطوى مسار فني استثنائي امتد لأكثر من ثمانية عقود، ظل خلالها أحد أكثر الفنانين قدرة على إعادة مساءلة معنى الرؤية داخل الفن الحديث، وعلى تحويل الصورة إلى حقل تفكير بصري مفتوح لا يكتفي بمحاكاة الواقع.

وُلد هوكني عام 1937 في مدينة برادفورد الصناعية شمال إنكلترا، في بيئة طبقية بسيطة، وهو ما ظل حاضراً في خلفية وعيه الجمالي، نقطة انطلاق نحو البحث عن اللون والضوء والفضاء. تلقى تعليمه الفني في كلية برادفورد للفنون ثم في الكلية الملكية للفنون في لندن، حيث تخرج عام 1962، في لحظة كانت تشهد تشكّل ملامح جيل جديد من الفنانين البريطانيين.

في بداياته، ارتبط اسمه بحركة “البوب آرت” البريطانية، غير أن موقعه داخلها لم يكن موقع الانتماء الصارم بقدر ما كان موقع التوتر معها. فمنذ أعماله الأولى، بدا واضحاً أن اهتمامه لا ينحصر في استثمار الصورة الشعبية، بل في تفكيك آليات النظر نفسها وإعادة بناء العلاقة بين العين والعالم.

شكلت الطبيعة المشهد الأساسي في تجربة الفنان ديفيد هوكني

التحول الحاسم في مسيرة الفنان الذي شكلت الطبيعة المشهد الأساسي في تجربته، جاء مع انتقاله إلى الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي، ولا سيما إلى كاليفورنيا، حيث وجد في الضوء المكثف والفضاءات المفتوحة مادة بصرية جديدة. هناك أنتج سلسلة من أعماله الأكثر شهرة، خصوصاً لوحات المسابح، مثل A Bigger Splash “دفقة أكبر” وPortrait of an Artist (Pool with Two Figures)، “بورتريه فنان” “حوض سباحة مع شخصين”، مشاهد للحياة اليومية شكلت بناءات بصرية دقيقة تعيد توزيع الضوء والزمن داخل سطح اللوحة.

في هذه الأعمال تحديداً أصبح المشهد سؤالاً حول كيفية تنظيم الفضاء نفسه. الماء والجسد والظل والفراغ، كلها عناصر تتداخل لتشكيل نظام بصري يتجاوز الواقعية المباشرة نحو بناء إدراكي معقد للصورة.

لم يتوقف هوكني عند حدود الرسم الزيتي، ذلك أنه انفتح مبكراً على الكولاج الفوتوغرافي، حيث ابتكر ما عرف بـ”الصور المركبة”، التي يتم بناؤها من زوايا متعددة في آن واحد، في محاولة لتفكيك المنظور الأحادي الذي حكم الرسم الغربي منذ عصر النهضة. هذا الاشتغال التقني كان يحمل موقفاً معرفياً من طبيعة الرؤية نفسها.

في مراحل لاحقة، اتجه إلى المسرح وتصميم الديكور، ثم إلى الوسائط الرقمية، ليصبح من أوائل الفنانين الكبار الذين تعاملوا مع الهاتف المحمول والـiPad بوصفهما أدوات إنتاج فني. غير أن هذا التحول لم يكن قطيعة مع الرسم، حيث شكل استمراراً له داخل وسائط جديدة.

ويعد هوكني أحد الفنانين الذين أعادوا فتح النقاش حول المنظور بعد التجربة التكعيبية عبر توسيع إمكانات الصورة. فبدل تثبيت نقطة نظر واحدة، اقترح تعددية في الرؤية تسمح للصورة بأن تكون زمنية بقدر ما هي مكانية.

في سنواته الأخيرة، عاد إلى يوركشاير، حيث أعاد الاشتغال على المناظر الطبيعية، خصوصاً عبر أعمال رقمية تتبع تغيّر الفصول والضوء، في استمرار مباشر لفكرة أن العالم ليس ثابتاً وأن الصورة لا تلتقط لحظة بقدر ما تعيد بناء إدراكها.

حظي هوكني باعتراف مؤسساتي واسع، وتُعرض أعماله في أهم المتاحف العالمية، كما حققت بعض لوحاته أرقاماً قياسية في سوق الفن، غير أن قيمته النقدية، كما تشير معظم القراءات المعاصرة، تتعدى السوق، وتكمن في قدرته على تحويل الرسم إلى تفكير بصري في شروط الإدراك ذاته.