Published On 13/6/202613/6/2026
تشير المعطيات المتداولة بشأن المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران إلى اقتراب الطرفين من التوصل إلى تفاهم سياسي وأمني قد يشكّل نقطة تحول مهمة في الأزمة التي تفجرت خلال الأشهر الماضية، إلا أن الكثير من تفاصيل هذا التفاهم لا يزال محاطا بالغموض والتكهنات.
بهذه المقدمة استهلت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا قالت فيه إن تسريبات متعددة تتحدث عن اتفاق أولي بات جاهزا تقريبا، ولكن كلا من واشنطن وطهران تحرصان على إدارة المعلومات بحذر شديد، في محاولة من كل طرف لتقديم أي اتفاق محتمل على أنه إنجاز سياسي يخدم مصالحه الوطنية ويعزز موقعه أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
وقد زادت حالة الغموض -كما يفيد كاتبا التقرير آدم راسغون من تل أبيب، وفرناز فسيحي من نيويورك- بعد أن نفى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب صحة التقارير التي تحدثت عن تفاصيل الاتفاق، مؤكدا أن البنود التي جرى تسريبها إلى وسائل الإعلام لا تعكس النص الحقيقي الذي تم الاتفاق عليه.
وفي المقابل، صدرت من الجانب الإيراني إشارات متناقضة، فبعض وسائل الإعلام المقربة من التيار المحافظ صورت الاتفاق على أنه انتصار إيراني، في حين تبنت المؤسسات الرسمية لغة أكثر تحفظا، أما وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي فاكتفى بالإشارة إلى أن فرص التوصل إلى اتفاق أصبحت أكبر من أي وقت مضى، من دون الكشف عن تفاصيله.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد أن فرص التوصل إلى اتفاق أصبحت أكبر من أي وقت مضى (الجزيرة)
وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن ما يجري التفاوض حوله ليس اتفاقا نهائيا بقدر ما هو “مذكرة تفاهم” أو إطار سياسي مؤقت يهدف إلى احتواء الأزمة الحالية وتهيئة الظروف لمفاوضات أكثر شمولا بشأن البرنامج النووي الإيراني والقضايا الأمنية المرتبطة به، كما يقول التقرير.
وقف دوامة التصعيد
ويبدو أن الهدف الأساسي للطرفين يتمثل في وقف دوامة التصعيد العسكري التي استنزفت الجميع خلال الأشهر الأخيرة، وخلق مساحة زمنية تسمح بالعودة إلى طاولة التفاوض بدل الاستمرار في المواجهة.
وتفيد التسريبات أن التفاهم المقترح يتضمن وقفا للعمليات العسكرية على مختلف الجبهات لمدة 60 يوما، وهي فترة يفترض أن تشهد مفاوضات مكثفة حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
كما يتضمن التفاهم إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية ورفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، وهي نقطة بالغة الأهمية، لأن المضيق يعد أحد أهم الممرات الإستراتيجية لنقل النفط والتجارة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والاقتصاد الدولي.
ويبدو أن ملف مضيق هرمز يمثل أحد المحاور الرئيسية في التفاهم الجاري بلورته -حسب التقرير- وستبدأ خلال فترة التهدئة مناقشات إقليمية حول آليات إدارته وتنظيم حركة العبور فيه، مما يعكس إدراكا متزايدا لدى الأطراف المعنية بأن أمن المضيق لم يعد مجرد قضية ثنائية بين واشنطن وطهران، بل أصبح ملفا إقليميا ودوليا يرتبط بأمن الطاقة العالمي واستقرار الاقتصاد الدولي.
وفي الوقت نفسه، لا يعالج الاتفاق المقترح القضايا النووية الجوهرية التي تشكل أساس الخلاف بين الطرفين، لأن مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وحدود برنامجها النووي، وآليات الرقابة الدولية، كلها مسائل مؤجلة إلى جولات تفاوض لاحقة.
وما تلتزم به طهران في هذه المرحلة -حسب التقرير- هو إعادة التأكيد على موقفها المعلن بأنها لا تسعى إلى تطوير أو امتلاك سلاح نووي، في حين تترك التفاصيل التقنية والسياسية الأكثر تعقيدا للنقاش في المستقبل.
إدارة الصراع
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن المرحلة المقبلة تبدو مرتبطة إلى حد كبير بمسألة العقوبات، إذ تسعى إيران للحصول على تخفيف ملموس للعقوبات الاقتصادية، خاصة تلك المتعلقة بصادرات النفط والقطاع المصرفي والتحويلات المالية الدولية، في حين تريد واشنطن ربط أي تخفيف للعقوبات بتنازلات إيرانية إضافية في الملف النووي.
إسرائيل تخشى أن يمنح الاتفاق إيران فرصة للحفاظ على أجزاء مهمة من برنامجها النووي (الفرنسية)
وتكشف هذه التطورات -حسب التقرير- عن محاولة من الطرفين للانتقال من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق إدارة الصراع عبر التفاوض، بعد أن توصلت كل من واشنطن وطهران إلى قناعة بأن استمرار التصعيد لا يخدم مصالحهما على المدى الطويل، نتيجة أشهر من التوتر والاشتباكات والضغوط الاقتصادية والأمنية.
ورغم الأجواء الإيجابية التي تحيط بالمفاوضات، فإن فرص الفشل لا تزال قائمة، لأن هناك قوى إقليمية ودولية تتابع المفاوضات بقلق، وعلى رأسها إسرائيل التي تخشى أن يمنح الاتفاق إيران فرصة للحفاظ على أجزاء مهمة من برنامجها النووي دون تقديم تنازلات جوهرية.
وخلص التقرير إلى أن المفاوضات الحالية تعكس محاولة لإرساء هدنة سياسية وأمنية مؤقتة أكثر مما تعكس تسوية نهائية للأزمة، مشيرا إلى أن توقيع أي اتفاق سيشكّل خطوة أولى نحو إعادة بناء الثقة بين الجانبين وفتح الباب أمام مفاوضات أكثر تعقيدا حول الملفات النووية والأمنية والاقتصادية.
أما نجاح الاتفاق أو فشله -حسب الصحيفة- فسيعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز خلافاتهما العميقة خلال الفترة المقبلة، وعلى مدى استعداد كل منهما لتقديم تنازلات متبادلة تسمح بتحويل التهدئة المؤقتة إلى تسوية أكثر استدامة.
