كانت الساحة المصرية بطلةً أساسيةً في فيلم “مومياء” (2026)، من إخراج الأيرلندي لي كرونين، الذي عُرض أخيراً بنسخته الجديدة. إذ يمكن اعتبار الصحراء المصرية الساحة الأولى للتصوير في هذا الفيلم، الذي شهد حشداً جماهيرياً واضحاً في قاعات السينما التي عُرض فيها. ويمكن الحديث أيضاً عن أدوار لافتة للممثّلتَين العربيَّتَين: مي القلماوي وحياة كامل، وأدائهما المميز، إذ شغلتا جانباً وافراً من الفيلم، ولم يقتصر الحضور هنا على الأدوار الهامشية أو يُعرف بـ”الكومبارس” الذي نسمع فيه أحياناً أصواتاً باللهجات العربية في أفلام عالمية شهيرة، لأنّ الفيلم صُوّر في بلدان عربية، وبالأخصّ في ثلاثة بلدان: تونس والمغرب ومصر، لم يحظَ الممثّل العربي المنتمي إلى فضاء هذه البلدان إلا بالبروز اليسير أو الاحتشادي الباهت، ولكن في هذا الفيلم يمكن القول بكلّ سهولة إنّ الممثّلتَين العربيتَين تظهران في أغلب مشاهد الفيلم، الذي يشاركهما فيه أيضاً كلّ من جاك رينور، ولايا كوستا، وفيرونيكا فالكون.
تبدأ مشاهد الفيلم الأولى في الأقصر المصرية من خلال أسطورة اللعنة المصرية، حين يُرفع الغطاء عن مومياء لا تلبث أن تتحرّك من مهجعها وتصيب من حولها برياح هذه اللعنة. من بين المصابين فتاة هي ابنة صحافي أجنبي، تختطفها ساحرةٌ تتردّد سرّاً إلى بيت هذه العائلة، لتختفي الطفلة سنوات عن والديها وأخيها وأختها، إلى أن يأتي اتصال من القاهرة بالعائلة (تعيش في المكسيك) مفاده أنّ ابنتهم قد اكتُشفت وعادت إلى الحياة، ولكن في هيئة مختلفة أقرب إلى القبح. تهرع العائلة إلى تسلم ابنتهم، وإن بدت في هيئتها المخيفة، على أمل معالجتها وتأهيلها وإعادتها إلى طبيعتها الأولى. ولكن هذا لن يحدث من دون مشاهد مرعبة تحبس أنفاس المشاهدين.
لم يكن موضوع الفيلم جديداً، وهو يحاكي الأسطورة المصرية المتعلّقة بلعنة الفراعنة، إنّما ثمّة أفلام وفيرة في هذا السياق، ولكن ما يميّز هذه النسخة الأخيرة مسحتها الفلسفية المعتمِدة على الجانب الخفي من هذه الميثولوجيا، ويتعلّق الأمر بما يمكن تسميتها “التعاويذ الفرعونية”، وهي كلمات سحرية متوالية تُقرأ على الممسوخ أو المصاب بهذه اللعنة من أجل إعادته إلى سيرته الأولى الطبيعية. لذلك ستشقّ العائلة، خصوصاً الأب، طرقاً صعبة للوصول إلى مصدر هذه الملفوظات السرّية، إلى أن يتوصّل، بمعاونة السلطات المصرية، إلى بيت وحيد في الصحراء، تقطنه ساحرةٌ تعيش مع ابنتها المقصوصة اللسان كي لا يمكنها أن تبوح بالسرّ. ترفض الأمّ (الساحرة) أن تطلق تلك الكلمات وتهرب من المشهد. في المقابل، في المكان الذي تعيش فيه الفتاة المسحورة مع أمّها في المكسيك، تقع دراما من العنف والمطاردة من هذه الروح الشريرة لهذه الطفلة التي تحاول من دون إرادتها أن تفتك بالعائلة واحداً تلو الآخر.
الاعتقاد بالروح الشريرة التي تسكن البشر شرقي، ولكنّه لا يُقدَّم في هذا الفيلم بطريقة ساخرة أو متعالية تحاول لصق الجهل والتخلّف في دول العالم الثالث، إنّما قُدّم بطريقة مقنعة، تفصيلية وعلمية، بُذل فيها مجهودٌ واضحٌ من أجل قراءة تفاصيل هذه الحالة الأسطورية. يتّضح هذا من الديكورات المعقّدة واللقطات المبتكرة والمشاهد التي تتعمّق في عالم الميثولوجيا الفرعونية. تدخل الميثولوجيا أيضاً في سياق الفيلم من خلال الأستاذ الجامعي الذي يحاول أن يفسّر الظاهرة تاريخياً، ويتحدّث عن مختلف النظريات التي درست الظاهرة، وكيف انتهى معظمها إلى ترسيخ الغموض حولها من دون الوصول إلى تفسير مقنع.
ولكن، من خلال الصراع مع الطفلة المسحورة “المومياء”، يكتشف أنّ ثمّة كلمات أُلصقت بطبقة في جلدها، بعد أن قصّت الأم أظافرها حين قيّدتها، فتكتشف ظفر الإبهام، الذي سيقودها إلى شريحة تغطّي الجلد الأصلي وتشبهه، ملتصقة برجل ابنتها، فتنزعها. يقرأ الأستاذ الجامعي هذه الكلمات التي تقود إلى تعاويذ سحرية تشبّثت بالفتاة الصغيرة، وحوّلتها، ولا يمكن فكّها من دون قراءة كلمات معيّنة من قبل المرأة الساحرة. يُقبض على المرأة المصرية الهاربة في الصحراء، وتُقيّد في غرفة، لتُرغم على قراءة ما يُبطل هذا السحر من كلمات، لتعود بعد ذلك الفتاة إلى طبيعتها مذهولةً، بعد أن تخرج منها الروح الشيطانية التي سكنتها وكان مصدرها مومياء مصرية غاضبة.