مايكل جاكسون خلال حفل “فيديو ميوزيك أواردز”، لوس أنجلس، 1995 (Getty)

بعد عرض فيلم “مايكل” في نهاية أبريل/نيسان الماضي، تصدر طبعة جديدة من السيرة التي كتبها مايكل جاكسون بعنوان “Moonwalk”. ليس صدفة أن يغطي الفيلم حياة مغني البوب الأميركي حتى سنّ الثلاثين، وهو العام نفسه الذي أصدر فيه سيرته في كتاب، في الفترة الذهبية لأيقونة البوب، التي حقّقت فيها ألبوماته أعلى إيرادات، واكتملت خلالها صورة الفنان الأكثر انتشاراً وثراء وغموضاً.

صورة جذابة ومثيرة لكنها لا تقول شيئاً واضحاً وصريحاً عن صاحبها. هذه الصورة تبناها من بعده عدد من مشاهير السود لاحقاً، وتستند إلى توظيف أدبيات الحقوق المدنية التي راكمها مثقفون أميركيون من أصول أفريقية، مع تركيز أكبر على عنفوان الرجل الأسود الذي يريد هويةً لا تصنفه بحسب عِرْقه، ويريد اختراق مساحات ممنوعة على السود تعويضاً لخسارات الأسلاف. وللوصول إلى ذلك، كان هناك الكثير من الضجيج والإشاعات والضغوط خلف المكاتب المغلقة، حقق مايكل من خلالها مكاسب عديدة، لم يتحدث عنها في العلن. مبرزاً هوية إنسانية عالمية لا تنتمي بشكل صارخ إلى إثنية أو أقلية ما.

لكن حديث الأقليات كان حاضراً بقوة في حياته. علاقاته الوثيقة مع اليهود ودعمه لإسرائيل، مقابل رواية تؤكد على تأييده للقضية الفلسطينية والأميركيين من أصول عربية، وكتابته كلمات أغنية بعنوان “فلسطين لا تبكي” لم تر النور لأسباب تعكس “مؤامرة” مكتملة الأركان قادتها شخصيات يهودية وصهيونية لتشويه سمعته.

سيرته مزيج من الأسطرة والإشاعات التي ما زالت تحيط باسمه

روايتان متناقضتان عن صاحب أغنية “أسود وأبيض”، الذي زار إسرائيل عام 1993 عقب توقيع اتفاقية أوسلو، وأقام حفلين في تل أبيب، وجمعته صداقة وثيقة مع الصهيونيَّين الحاخام الأميركي شمولي بوتيتش ولاعب الخفة والممثل البريطاني أوري غيلر، كما ارتدى مايكل بيده خيط صوف أحمر؛ التميمة اليهودية المعروفة، في مناسبات عديدة.

مع تواصل حرب الإبادة على غزّة، تداولت منصات إعلامية مقطعاً من أغنية “فلسطين لا تبكي” بصوت جاكسون، يرجّح أنه سجّل باستخدام الذكاء الاصطناعي، لتعود إلى الواجهة خلفيات الأغنية، التي كتبها مايكل خلال العام ذاته الذي زار فيه إسرائيل، ليضمنها في ألبومه “تاريخ: الماضي والحاضر والمستقبل” الذي صدر سنة 1995. لكن الأغنية لم ترق لشركة سوني (منتجة معظم ألبومات مايكل)، وأشيع أن شخصيات نافذة في صناعة الموسيقى الأميركية حظرت توزيعها.

لا ينتهي الأمر هنا، فمن يتبنى هذه الرواية يذهب أبعد من ذلك بالقول إن الدعاوى التي رُفعت ضد جاكسون بتهم التحرش بالأطفال بدأت بعد شهرين فقط من عرض الأغنية على منتجه، واستمرت حتى رحيله. يحاجج مدافعون عن ملك البوب أن جميع ضحايا التحرش “المزعوم” ينتمون إلى دائرة واحدة؛ عائلات يهودية أو ذات ميول صهيونية، وأن كل محاولات مايكل للتقرب من مشاهير اليهود لم تفلح في الإفلات من الحصار المطبق. إذا ما مضينا في هذه الفرضية، تحضر أولى التصريحات التي أطلقتها لاتويا؛ شقيقة مايكل، في تل أبيب عام 1993، مؤكدة التهم الموجهة لشقيقها، ثم اعترفت بعد سنوات أن طليقها جاك غوردون، اليهودي المقرب من إسرائيل، أجبرها على هذه الشهادة ضمن مخطط أكبر لتحطيم صورة مايكل.

ولاحقت جاكسون أيضاً تهم معاداة السامية من قبل منظمات يهودية أميركية بسبب كلمات وردت في أغنيته “إنهم لا يهتمون بنا” التي سجّلها عام 1995، واضطر إلى تغييرها لاحقاً، كما وجهت إليه تهم مماثلة مع ظهور تسجيلات لمكالمات هاتفية وصف فيها اليهود بأنهم طفيليون يستغلون خصومهم إلى أن ينتهوا مفلسين، دون تأكيد لصحة هذه التسجيلات حتى اليوم. لا حقائق مؤكدة قد يصل إليها الباحث الذي تواجهه تسريبات تشير إلى استهداف تعرّض إليه مايكل بسبب موقفه هذا، وتشير إلى عكس ذلك أيضاً. الصورة الوحيدة التي رسختها عائلة جاكسون وفريق عمله انتصرت أخيراً؛ أسطورة نجم غامض يتحوّل كل تفصيل في حياته إلى مال وشهرة، حتى واقعة موته التي ظلّت محفوفة بالأسرار، رفعت مبيعات ألبوماته إلى أكثر من مليار دولار!