رنا زيدان في “إحسان”: لكن كيف نُصوّر بالقدس ونحن لا نستطيع الذهاب إليها؟ (برليناله)
تجربةُ أداءٍ لفيلم روائي طويل تُصبح فيلماً وثائقياً، يستعيد لحظة تاريخية سابقة على “نكبة 48″، فيسرد مقارنات يصعب تجاوزها بين ماضٍ مرير (حكم السلطنة العثمانية) وراهن يزداد مرارة وقهراً وشقاء (الإبادة الإسرائيلية). لكنّ الوثائقي، وإن بجانب ضئيل منه، يُشرك المُشاهِد/المُشاهِدة بمهنة أساسية في صناعة السينما: الكاستنغ (تجارب أداء). فأمام لميا جريج ـ التي تُجري بنفسها تجارب الأداء، فتظهر قليلاً في السياق رغم أن هناك صوتين لرجل وامرأة يمرّان سريعاً ـ يقف 13 شاباً وشابة، فلسطينيين ولبنانيين، ليقرؤوا مقتطفات من نص “القدس، يوميات إحسان ترجمان” (المذكرات الأصلية لإحسان منشورة في كتاب “عام الجراد: الحرب العظمى ومحو الماضي العثماني في فلسطين، الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 2008، والوثائقي كما الفيلم الطويل المكتوب بالتعاون مع مجد كيال، يستندان إليه)، يطغى عليها (المقتطفات) مشاعره تجاه مُحجّبة، تُسمّى ثريا (تذكر جريج لاحقاً أن الاسم مستعار)، إلى تفكير له عن الحرب والمدينة، والعلاقة بالعثمانيين، ومصير القدس والبلد.
هذا كلّه واردٌ في “إحسان، من مية سنة لليوم” (2026) لجريج، المعروض أولاً في قسم Forum Expanded بالدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026) لمهرجان برلين. أساسه تجارب أداء. سياقه سلس وبسيط، لكنّ المذكور فيه من مقتطفات وتساؤلات وحوارات بين المخرجة وشبان وشابات، يُصبح تدريجياً مرايا تتقابل فيها حالات متشابهة (عامة) وأزمنة تؤكّد هذا التشابه. فالسلاسة والبساطة أداتان دراميتان تساهمان في تقديم المراد تقديمه بما يُسهِّل على المُشاهِد/المُشاهِدة الاستماع إلى نبض ما يُقال، وإلى مشاعر آنية لأناس غير عارفين فلسطين برمّتها، أرضاً وكياناً على الأقل، لكنّهم يقولون حباً واشتياقاً لها، ويتخيّلونها بحسب تلك المشاعر، مع تأثّر ضمني بالمتداول عن القدس تحديداً من صُور فوتوغرافية ورسومات وكتابات.
قراءة المقتطفات، التي (القراءة) يُفترض بها أن تدفع لميا جريج إلى اختيار من سيُشارك في الروائي الطويل المقبل، تترافق ورسماً بالأسود والأبيض، على جدار خلف الشبان والشابات، يكتمل بهدوء، قبل أن يظهر كاملاً بالألوان، قبيل جينيريك النهاية. الرسم، الذي لجريج أيضاً، يستند (كما يُكتب في الجينيريك نفسه) إلى “صورة خيالية للقدس” يُنشئها الذكاء الاصطناعي “باستخدام تلقينات من الممثلين والمخرجة تصف كيف يتخيّلون المدينة”.
فكرة التخيّل أساسية، فما يبدأ قراءات، تختبر كيفية النطق والنبرة وحركة الجسد وملامح الوجه التي تعكس انفعالاً، وهذا كلّه مطلوبٌ منه أن يعكس جوهر النص ومشاعر كاتبه (ما يستدعي نقاشاً مقتضباً، وتساؤلات عدّة عن الشخصية الأساسية وتفكيرها ومشاعرها)، يُصبح (ما يبدأ) لاحقاً جزءاً من نقاش حول الخيال وضرورته، إذْ تطرح جريج سؤالاً يرتبط بالعلاقة بالقدس وفلسطين، كما بالسينما وصناعتها: “لكن، كيف يمكننا التصوير بالقدس ما دمنا غير قادرين على الذهاب إليها؟” (بالعامية اللبنانية)، فإذا بإجابات قليلة متقاربة تخلص إلى إعمال الخيال، وإلى الحق في الخيال أيضاً.
في ذلك إحالة على أن جزءاً أساسياً من علاقة شباب وشابات فلسطينيين، مولودين في بلدان الشتات (لبنان وسورية تحديداً، كما في الفيلم) معقودٌ على الخيال. اشتياق أحدهم/إحداهن إلى القدس، من دون معرفة حسية وملموسة ومباشرة بها، غير محصور بضرورة تربوية وسلوكية وثقافية عامة، تفرض علاقة بالبلد رغم كل شيء، فاشتياق كهذا يؤكد، وإن مواربة أو من دون وعي ووضوح، أهمية الخيال الذي يحصّن العلاقة من الاندثار: “نستطيع أن نتخيّل (ذهابنا إلى القدس)”، تقول رنا زيدان. “نستطيع تخيّلها. من حقّنا أيضاً أن نتخيل ونعيش ونحسّ أننا زرنا القدس بكتابات وأفلام ومسرحيات وغناء وموسيقى. نستطيع أن نصل إلى القدس بطرق كثيرة. نستطيع التعبير عن حبنا لها بطرق كثيرة”، تُضيف الشابة بعامية تمزج اللبنانية بالفلسطينية. تقول: “أشعر أنه ضروري أن نتخيّلها ونعيشها. ربما لن نذهب إليها ولو مرة واحدة. (لكننا نستطيع أن) نستحضرها بطرق كثيرة، والفنون أجمل الطرق التي يمكن أن نصل بها إلى أوطاننا، وإلى أشياء نحبها ونشتاق إليها ونَحِنّ إليها”.
أيمكن وصف نصوص الهيام بثريا خيالاً يُتيح لإحسان بلوغ المعشوقة من دون أن يراها؟ ألن يتساءل أكثر من شاب وشابة عن حقيقة تلك العلاقة وذاك الحب؟ هذا خيال أيضاً. لكن الواقع، المُقابل له والمُقيم معه، يقول شيئاً آخر. سرد ما يقوله لن يُعيق مشاهدة فيلم، له أسلوب مرن في صوغ الحكاية الأصلية بأصوات شبابية، تربط ماضي بلد محتل دائماً براهن بيئات جغرافية واجتماعية وثقافية، تتخاذل غالبيتها الساحقة إزاء مواجهة الاحتلالات تلك لحماية حق وتاريخ وأرض. فإحسان العاشق يرفض الحرب، ومشاركون/مشاركات في تجربة الأداء يسألون: أيكون رفضه هذا مختصّاً بالحرب العالمية الأولى فقط (ملف الفيلم يذكر أنّ عام 1915 زمن حكاية إحسان)، أم بكلّ حرب؟ هذا يطرح سؤال التضحية، في حرب أو حب أو ذات.
شكلاً، تُصوَّر تجربة الأداء (باسم فياض) في مكان واحد (استديو سينمائي)، قبل اندلاع الحرب الأخيرة (أميركا/إسرائيل ضد إيران)، ومعها حرب إبادة إسرائيلية جديدة في لبنان (بدءاً من 2 مارس/آذار 2026). رسمة جريج ترافق كلاماً وتأدية وتساؤلات. لا تغيير في كادر تصوير كل تجربة، باستثناء زواياه. الاقتصاد بكيفية إنجاز “إحسان، من مية سنة لليوم” غير نابعة من تقليص الميزانية فقط (إنتاج نيكول كماتو وجريج. بدعم من المركز الوطني للفنون التشكيلية ـ فرنسا وغاليري مرفأ ـ بيروت)، بقدر ما تعكس تفاصيل هذه المهنة السينمائية (كاستنغ)، والحاصل فيها بين من يرغب في تأدية دور ومن يصنع الفيلم. كما أنّ ما يُقال (نص إحسان ترجمان عن الحب والحرب والمدينة والحاصل حينها، الأسئلة المطروحة، العلاقة بالخيال والقدس، التاريخ والراهن، إلخ) يحتاج إلى مناخ يشي بحميمية تُخفِّف من ثقل الحاصل، سابقاً والآن، وهذا حاضرٌ في المكان الواحد أيضاً.
