“فرحة”: التقاط سينمائي للحظة النكبة بعينيّ مراهقة (الملق الصحافي)

 

بعودته إلى عام 1915، وتبيانه شيئاً من علاقة السلطنة العثمانية بأهل البلد ومحيطهم، وهذه علاقة محتلّ، كأي محتلّ آخر، بمن وما يحتلّ، يُنبّه “إحسان، من مية سنة لليوم” (2026)، للميا جريج، إلى حالة سينمائية عربية “جديدة”، تتعلّق بفلسطين: اشتغال على ما قبل نكبة 48، كما في “فلسطين 36” (2025) لآن ماري جاسر؛ ولحظة النكبة نفسها، كما في “فرحة” (2021) لدارين ج. سلّام؛ والبدء بالنكبة وما قبلها بقليل، وصولاً إلى راهن يسبق “7 أكتوبر” (2023)، كما في “اللي باقي منك” (2025) لشيرين دعيبس.

هذه نماذج، لا لائحة كاملة. هذا يؤكّد أن في التاريخ الفلسطيني، السابق على الاحتلال الإسرائيلي، ما يُثري نتاجاً سينمائياً تصنعه الحكاية الفلسطينية مباشرة من الواقع، والواقع موثّق بمعظمه، والحصول عليه غير صعب، لأنّ كثيرين وكثيرات يختصّون به فيكتبونه في مراجع وأبحاث. الرواية الشفهية أيضاً موثّق بعضها على الأقل، في أوقات مختلفة، وهذا يُسهِّل صُنع خلفية متينة لمشروع سينمائي، يحتاج بالتأكيد إلى ميزانية إنتاجية، وإلى دعم وتمويل ومنح، ليُصبح فيلماً، يُناقَش نقدياً عند إطلاق عروضه.

إحدى تلك الروايات الشفهية تشتغلها لميا جريج في جديدها. نص لإحسان ترجمان، الجندي العثماني المقدسي، زمن الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918). أي أنّ الذاتي أساس الحكاية، وهذا يُحيل إلى اشتغال آخر يتعلّق بما يُترَك من حكايات تقول بعض الحاصل حينها، فرداً وجماعة. آن ماري جاسر تقول إن حكايات عدّة يرويها والداها، تحديداً، ستكون جزءاً من أسس الكتابة السينمائية. “باب الشمس”، رواية (1998) الياس خوري المقتبسة سينمائياً (2004) ليُسري نصر الله، ستبقى أحد أجمل الاشتغالات على الحكايات الفردية، التي توثّق حقائق ووقائع. لكل فيلم من أفلام إيليا سليمان سندٌ ذاتي/شخصي، أو حكايات شفهية، أو مراجع موثوق بها. “الزمن الباقي” (2009) دليلٌ إضافي على أنّ المروي شفهياً (والموثّق جزء منه على الأقل كتابياً) يكشف أحياناً غير المُكتشف “علمياً”، أو يُضيف إلى النص السينمائي لمسةً، يصعب للتوثيق العلمي إضافتها.

“رواية” جانب من نكبة 48 تتمثّل بمُراهقة تطمح إلى علم ومعرفة، فيغتال المحتل الصهيوني خيالها وأحلامها ورغباتها (فرحة). عيش آمن وعادي يُعطّله الاحتلال، بمطاردته أفراد عائلة، تحمل في يومياتها سيرة أجيال وتاريخ بلد (اللي باقي منك). هذا وغيره يواجهان رواية إسرائيلية صهيونية تزوّر وتُلغي، كي يتناسب التاريخ مع جرمها المستمرّ بلا كلل.

هذا يقول أيضاً إن تاريخ فلسطين ثراء سينمائي، يستمدّ من التوثيق والحكايات ما يوفّر مواد صالحة للسرد الفلسطيني، شرط أن يمتلك السرد هذا شرعيته السينمائية أولاً.