ثمة دقة بالغة تخلب الألباب في سينما «السرقة الكبرى»، فعلى النقيض من دراما الجريمة التقليدية، التي تركز على الفوضى التي تعقب خرق القانون، يعمل هذا التصنيف الفرعي كالساعة السويسرية دقيقة الصنع.

إنه يُحيل الجريمة المنظمة إلى نوع من العمل المنهجي، والحِرفية المتناهية، والعمليات اللوجستية المنضبطة كخطوط الإنتاج في المصانع. وتسير البنية السردية لهذه الأفلام وفق مسار شبه قانوني.

وثابت: استقطاب المواهب المتخصصة، رسم المخطط الأولي، التنفيذ الحابس للأنفاس، ثم الانهيار المأساوي الحتمي في النهاية. ​وفي حين غازلت السينما المبكرة قصص العصابات وسرقات البنوك — لا سيما في المحطة التاريخية الأبرز للسينما الصامتة، فيلم «The Great Train Robbery» عام 1903— فإن حجر الأساس الحقيقي لأفلام السطو المعاصرة، قد وُضع عام 1950.

إذ نقل فيلم غابة الأسفلت «The Asphalt Jungle» للمخرج «جون هيوستون»، عدسة الكاميرا بعيداً عن رجال التحري الأخيار، ليسلطها مباشرة، وبشكل كامل، على الجناة.

حيث تعامل «هيوستون» مع الخبراء في فتح الخزائن، والسائقين، والمخططين، لا كمجرمين عتاة، بل كمهنيين كادحين من «الطبقة العاملة»، تصادف أن مجال عملهم غير قانوني.

​إذا كان فيلم «The Asphalt Jungle» قد منح هذا النوع السينمائي روحه، فإن إنتاجاً فرنسياً صدر بعده بخمس سنوات، هو الذي منحه منهجيته الصارمة والنهائية.

ففي عام 1955، قدم المخرج الأمريكي المغترب «جول داسين» فيلمه ريفيفي «Rififi»، وهو معالجة سينمائية واقعية وقاسية لرواية الكاتب «أوجست لو بريتون»، والتي غيرت إلى الأبد آليات بناء التوتر على الشاشة.

​وتظل لقطات سرقة متجر المجوهرات، هي الجوهرة الكامنة في تاج هذا الفيلم وإرثه الأكثر بقاءً. إذ يمتد هذا المشهد لنحو نصف ساعة، وتتابع أحداثه في صمت شبه مطبق، فلا وجود للحوار، ولا للموسيقى التصويرية، ولا حتى للتعليق الصوتي.

الأصوات الوحيدة المسموعة هي الأصوات المادية الملموسة: الكشط الإيقاعي للمظلات وهي تتلقى بقايا الجص المتساقط، والضربات المكتومة للأزاميل وهي تخترق الخرسانة، والأنفاس الثقيلة لرجال يسابقون زمناً غير مرئي.

​إن الأثر الذي تركه فيلم «Rififi» لا يمكن المبالغة فيه، فقد رسّخ مشهد السرقة نفسه بوصفه عرضاً أدائياً طويلاً، ومفرط التفاصيل، يتبع خطوات إجرائية دقيقة.

وفجأة، لم تعد السرقة مجرد نقطة في الحبكة لإشعال فتيل المطاردة، بل أصبحت هي المركز البصري والعمود الفقري للفيلم بكامله. بل إن الفيلم جاء مغرقاً في تفاصيل ومنهجية فتح الخزائن.

وبحلول أواخر القرن العشرين، بدأ المخرجون في دمج هذه التقاليد السينمائية معاً. ويقف فيلم هييت «Heat» عام 1995، للمخرج «مايكل مان»، كذروة مطلقة للواقعية المفرطة في هذا النوع الفني.

حيث نجح في الموازنة بين عملية سرقة معقدة لشاحنة مدرعة، وسطو مسلح على بنك، وبين سبر أغوار مفهوم الاحترافية والمهنية الصارمة، ومشاعر العزلة والوحدة الجاثمة على صدور أبطاله.

​وعلى النقيض من ذلك، مال فيلم أوشنز 11 «Ocean’s Eleven (2001)»، للمخرج «ستيفن سودربيرغ»، بكثافة نحو الأسلوب البصري المبهج والحيوي، مستبدلاً القلق والخوف من المجهول، ببدلات أنيقة مصممة بعناية.

وحوارات مفعمة بالكاريزما والتهكم، وبنية سردية قائمة على مفاجآت وحبكات متعددة الطبقات، تُبقي الجمهور مغيباً ومستمتعاً بالجهل بتفاصيل الخطة، حتى لحظة الكشف النهائي. ​واليوم، تظل صيغة «أفلام السرقة الكبرى» مفعمة بالحيوية والديناميكية، كونها توفر مساحة مثالية للتجريب الشكلي والأسلوبي.

ولقد أثبت فيلم Inception عام 2010، للمخرج «كريستوفر نولان»، ببراعة، أن الهيكل لهذا النوع السينمائي متين وراسخ، لدرجة تسمح بنقله وإسقاطه على عالم الخيال العلمي، مستبدلاً خزائن البنوك الحصينة بأعماق العقل الباطن البشري.

​وفي نهاية المطاف، نحن نعود دوماً إلى أفلام السطو والسرقة، لأنها تمثل المعركة الأزلية والقصوى للذكاء والدهاء البشري، في مواجهة منظومة ونظام صارم لا يرحم. إنها تتيح لنا مساندة الطرف الأضعف، وتأمّل جمال الخطة الخالية من الثغرات.