في روايته الجديدة “الكهل الذي نسي”، يواصل الروائي الجزائري سمير قسيمي مشروعه السردي القائم على مساءلة الذاكرة والهوية والكتابة، لكنه يبلغ هذه المرة مستوى أكثر تعقيداً وجرأة. فالنسيان هنا لا يُقدّم بوصفه عارضاً نفسياً أو خللاً فردياً، بل يتحول إلى سؤال وجودي وتاريخي وإبداعي تتقاطع عنده مصائر الأفراد والجماعات، وتتداخل فيه الحقيقة مع التخييل، والذاكرة مع الكتابة.

تنطلق الرواية (دار نوفل – هاشيت أنطوان) من صورة تبدو للوهلة الأولى بسيطة: رجل خمسيني يقيم في مصحّة، لا يحمل اسماً بل رقماً هو 362/ج. غير أن هذه البداية سرعان ما تفتح أبواب متاهة واسعة من الأسئلة. من يكون هذا الرجل؟ ماذا نسي؟ وهل فقد ذاكرته فعلاً، أم أن هناك من يعمل على إعادة تشكيلها أو محوها؟

منذ الصفحات الأولى يدرك القارئ أنه لا يقرأ رواية عن فقدان الذاكرة بقدر ما يقرأ رواية عن فقدان المعنى. فالاسم، الذي يبدو تفصيلاً عادياً في حياة البشر، يتحول عند قسيمي إلى جوهر الوجود نفسه. لذلك تأتي واحدة من أكثر لحظات الرواية كثافة حين يسأل الطفل أمّه: “من جاء أولاً… أنا أم اسمي؟”. سؤال طفولي في ظاهره، لكنه يفتح باباً فلسفياً واسعاً حول العلاقة بين الإنسان وهويته، وحول ما إذا كانت الذات تسبق الاسم أم أن الاسم هو الذي يمنحها وجودها الرمزي.

 

الروائي الجزائري سمير قسيمي

الروائي الجزائري سمير قسيمي

 

ولا يتعامل قسيمي مع الذاكرة بوصفها خزّاناً للذكريات، بل باعتبارها ساحة صراع. فالبطل الذي يحاول استعادة ماضيه لا يعثر على سردية متماسكة، بل على شظايا متناثرة: أب يختفي، أصدقاء يرحلون، أم تحاول الإمساك بما تبقى من العالم، وأسماء تتكاثر وتتداخل بين سمير وعبد الله وأغالو. وكأن الرواية تقول إن الإنسان ليس كياناً ثابتاً، بل طبقات متراكمة من الحكايات والاحتمالات والصور التي يصنعها عن نفسه.

ومن هنا تنبع النوستالجيا الخاصة بالرواية. إنها ليست حنيناً إلى زمن جميل مضى، بل حنين إلى إمكانية الإمساك بالماضي ذاته. فالماضي لا يعود كاملاً أبداً، بل يظهر في هيئة ومضات وصور مبتورة وأصوات بعيدة. لذلك تبدو الرواية، في أحد مستوياتها، مرثية لجيل جزائري عاش تحولات الثمانينيات والعشرية السوداء، ثم وجد نفسه أمام ذاكرة مثقوبة وأرشيف ناقص وأسئلة لم تجد طريقها إلى الإجابة.

ومع ذلك، لا تتحول “الكهل الذي نسي” إلى رواية سياسية مباشرة. فالتاريخ فيها يحضر بوصفه أثراً وجرحاً أكثر مما يحضر بوصفه حدثاً. الجزائر التي تظهر بين السطور ليست الجزائر الرسمية، بل الجزائر التي تعيش في الحكايات الصغيرة، وفي الغائبين والمنسيين، وفي الأسماء التي أُقصيت من السرديات الكبرى لكنها بقيت حيّة في الذاكرة الفردية.

أما الرمز الأكثر حضوراً في الرواية فهو الدائرة. الطفل الذي يرسم ثعباناً يلتهم ذيله، ثم دائرة، ثم نقطة، لا يرسم شكلاً عابراً، بل يرسم البنية العميقة للنص كله. فالأحداث لا تتقدم في خط مستقيم، بل تدور باستمرار حول مركز مفقود. وكل محاولة للوصول إلى الحقيقة تعيد الشخصيات إلى نقطة البداية. هكذا تتحول الدائرة إلى رمز للذاكرة والهوية والتاريخ، وإلى استعارة للإنسان الذي يظل يدور حول أسئلته الكبرى من دون أن يبلغ جواباً نهائياً.

وتكشف الرواية أيضاً عن مأزق نفسي يتجاوز النسيان نفسه، هو مأزق الهوية المتعددة. فالبطل لا يفقد اسمه فحسب، بل يتنقل بين أسماء وأقنعة وشخصيات مختلفة، حتى يصبح السؤال الحقيقي: أيّ هذه الوجوه هو الوجه الأصلي؟ ومن منظور نفسي، لا يبدو الأمر مرضاً بقدر ما يعكس حال إنسان معاصر يجد نفسه موزعاً بين أدوار وانتماءات وصور متناقضة. ولعل هذه الإشكالية تلامس جانباً من التجربة العربية الحديثة، حيث يعيش الفرد غالباً بين ما هو عليه فعلاً وما يُنتظر منه أن يكونه. لذلك لا تبدو رحلة الكهل بحثاً عن اسم ضائع بقدر ما تبدو سعياً شاقاً إلى جوهر الذات خلف طبقات من الأقنعة التي راكمها العمر والتاريخ معاً.

هنا تحديداً تبلغ الرواية ذروتها الفكرية. فالكتابة لا تعود وسيلة لاستعادة الذاكرة، بل تصبح بديلاً منها. وما يكتبه البطل لا يعيد إليه ما فقده، بل يمنحه شكلاً جديداً للوجود. لذلك تأتي الجملة الأخيرة من الرواية بمثابة مفتاح لكل ما سبق: “كان عليه أن ينسى ليكتب”. إنها عبارة تختصر رؤية قسيمي كلها، فالإبداع لا يولد دائماً من الامتلاء، بل من الفراغ، ولا من اليقين، بل من الشك، ولا من امتلاك الحقيقة، بل من السعي الدائم إليها.

بهذا المعنى، تبدو “الكهل الذي نسي” رواية عن الجزائر، وعن الإنسان، وعن الأدب نفسه. رواية تضع الذاكرة موضع مساءلة، وتحوّل النسيان من خسارة إلى أداة للبحث، وتعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: ماذا يبقى من الإنسان حين تضيع أسماؤه؟ ويأتي جواب قسيمي هادئاً وعميقاً في آن: تبقى الحكاية، وتبقى الكتابة، بوصفهما الأثر الأخير في مواجهة المحو.