
لا ينسى قارئ الشعر العربي تلك الآصرة الآسرة التي عقدها الشاعر الفرزدق مع ذئب يشاركه الطعام غير مذعورٍ منه، كأن في قرارة نفسه ولا وعيه ظلالا من حُبه السحيق لهذا الحيوان، وانجذابه له وهو يصادقه ضد قوى الطبيعة الأخرى، ويدنو من حوزته الرهيبة ليتعلم منها النداء على ضوء الأعماق، والاصطبار على دخان الأقاصي بكبرياء العزلة.
صحيحٌ أن الفرزدق في نونيته الشهيرة جعل من الذئب معادلا رمزيا للموت الذي أخذ منه أبناءه، لكنه في صميم التجربة يرتفع عن قسوة اللحظة ليقطع مع حالة الخوف والفزع التي لازمت صورة الذئب بوصفه مثال الشر والغدر وشراسة الطبع، ويضرب عنه بمثالٍ كنائي- رمزي قد ابتكره وأغرى به إخوته في الشعر قديما وحديثا (الحطيئة، البحتري، بدر شاكر السياب، أدونيس، سعدي يوسف، محمود درويش، قاسم حداد، سركون بولص، سيف الرحبي، محمد بنطلحة، إلخ) منجذبين إلى سحر قوامه الضامر وعوائه وروح التمرد فيه، ومؤتمنين على إرثه في الذات والقصيدة، لأنه لا أدعى إلى الاحترام من حيوانٍ جعل فطرته دفاعا عن حياته المهددة بالأخطار المحدقة به، وما قتل أحدٌ ذئبا إلا وندم لأنه قتل المثل المقدس في الشجاعة وصلابة الرأي.
وحيدا كذئب الفرزدق
كانت صورة الذئب كما تَمثلها الشعراء القدامى قطعة من مشهد الصحراء وقوى الصراع الذي تموج به، لكنه في الشعر الحديث يتحول إلى رمز استعاري مركب ينبئ بدلالات ثقافية ونفسية وسياسية متعددة هي نتاج عصر آخر أكثر ضراوة واصطخابا. فكان يرمز للوحدة والاغتراب عند الشعراء الذين ابتلوا بالتشرد والنفي عن أوطانهم، وللصراع الداخلي والعزلة الوجودية عند من ابتلي بالمرض وواجه العالم بقسوته، ويرمز للحرية حتى في مواجهة الموت، وللاختلاف واعتزال الجماعة والتمرد على السلطة.
حين صدرت للشاعر أمجد ناصر مختاراتٌ تحت عنوان: «وحيدا كذئب الفرزدق»، فكان لذلك أكثر من دلالة صريحة ومضمرة بالنسبة إليه، قد تشكل من جماعها أقنعة الذات في «طريق الشعر والسفر»، التي ظلت تنتسج، طوال عقود، من خلفية الشاعر البدوية، ومن تجربته الطويلة في العبور والارتحال، وما فتئت تلتمع بأسئلة الهوية الجريحة وصورة الغريب يقتفي أثره في زمن المنفى والغياب، ويبني بديلا عن العالم الذي خذله عالما آخر يقوم على التجربة الفردية والتفاصيل اليومية في حياة تتحول بدورها إلى «سرد متقطع». فتمثيلات الذئب في شعر أمجد ناصر تجمع في طياتها بين الإرث البدوي، والشعور الوجودي بالعزلة والمنفى بوصفه قدرا شخصيا وثقافيا، وتجربة المدينة كما عاشها في التغريبة اللندنية. مثلما تعكس ارتحال التجربة الشعرية ومراسها الجمالي، وهو ما أفصح عنه الناقد صبحي حديدي، من خلال التقديم الذي بسط فيه الأزمنة الانتقالية لشعر الشاعر الذي لم يكن يكف، بقلق المبدع ونزوعه إلى بحث المعنى، عن تجاوز نفسه من عملٍ شعري إلى آخر.
فقد بدأ شاعر تفعيلة، وفي هذا الشكل كتب نماذج متقدمة كما في ديوانه الأول «مديح لمقهى آخر»، إلى قصيدة النثر بتأثير من تجربته اللبنانية. وإذا كان في الأردن اكتشف شعراء أساسيين مثل بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وسعدي يوسف، وحسب الشيخ جعفر، ويوسف الصائغ، فقد جال في بيروت يقرأ ويتعرف على مُمثلي الحداثة الشعرية، من أمثال نزار قباني، وأدونيس، ومحمود درويش، وخليل حاوي، وشوقي أبو شقرا وغيرهم. غير أنه لم يلبث أن سعى إلى الانعتاق المبكر والواعي من إسار نموذج القصيدة اللبنانية، الذي هيمن على كتابة الغالبية الساحقة من شعراء قصيدة النثر. فكان من القلائل بين أبناء جيله ممن سعى للقطع مبكرا مع سائد القصيدتين، التفعيلية والنثرية، المهيمن على ذائقة الغالبية الساحقة وأساليب كتابتهم حتى استقرت واكتسبت تدريجيا صفة «المواضعات». لكن أفقه الفكري والجمالي كان منحازا أكثر إلى تقاليد «القصيدة العراقية»، وتحديدا إلى قصيدة سعدي يوسف، التي تتميز بـ»التخفف من ثقل الإيقاع النظامي، وسيولة مادته التعبيرية وقربها من اليومي».
من ديوانه «منذ جلعاد كان يصعد الجبل»1981، الذي زاوج فيه جماليا بين مكونات المكان الأول ومسعاه البيروتي، و»رعاة العزلة» 1996، حيث كتب فيه نشيده الشخصي بنبرة أخف، و»وصول الغرباء» 1990، حين كرس فيه تقليدا يندر أن نعثر عليه – بهذه الدرجة من الصفاء وحسن التنفيذ – في معظم المشاريع الشعرية المكتملة التي تصنع مشهدية قصيدة النثر العربية المعاصرة؛ وهو تكريس مجموعة شعرية بأسرها لموضوع واحد أو لسلسلة تنويعات ضمن موضوعة واحدة جامعة، وفيها أجزاء من تغريبته اللندنية، قبل أن يأسره تدوين الشغف وكتابة الجسد في «ُر من رآك» (1994)، إلى «مرتقى الأنفاس» (1997) الذي يعيد فيه كتابة الأيام الأخيرة للعرب في الأندلس، ولكن من وجهة نظر نثرية خالصة، حيث ينقل قصيدة النثر العربية التسعينية إلى منطقة تعد شاقة، نادرة أو غير شائعة على الأقل، هي مقاربة الموضوعة التاريخية من موقع ملحمي إنشادي، وانتهاء بـ»حياة كـسرد متقطع» 2005، العمل الذي يبلغ ذروة وعي الشاعر بقصيدة النثر، أو بالأحرى نثر النثر، إذ ضم قصائد نثر مكتوبة بأسطر كاملة وذات بنية سردية واضحة.
في هذا الزخم الذي يرسم مسارا خطيا مليئا بالانتقالات والفجوات كأننا في قلب مختبرٍ حي، كان يحفز تجربة الشاعر قلقُ التعبير الذي سيقوده إلى تجاوز نفسه باستمرار، مثلما سيقوده إلى تجديد دائم لأدواته وموضوعاته وخياراته الأسلوبية، إضافة إلى بصمته الشعرية المختلفة عن المألوف في خريطة الشعر العربي المعاصر، لأنها لا تنأى كثيرا عن السائد آنذاك في اللغة والمزاج والنبرة واللقطة الشعورية فحسب، بل تعيد أيضا صياغة تعاقدٍ حيوي مع الذائقة التي نادرا ما يلتفت إليها شعراء اليوم.
تجربة العبور
باعتباره تمثيلا للعبور والارتحال للتحول الدائم، يحضر الذئب في شعر سيف الرحبي. إنه يكنى به عبور الذات في تطوافها الدائم العارم بين الأمكنة والأصقاع والتواريخ الواقعية والمتخيلة، وكذلك عبور الكتابة من خلال انفتاحها على الأجناس الأدبية والفنية (سرد، سيرة ذاتية، رحلة، تشكيل، سينما..) بشكل جدلي غير قابل للفصل بينهما. وهو من نمط العبور الشاق التي تقود الذات في ترحُلها التراجيدي إلى الوقوف على معنى الضياع الذي يعصف بالإنسان والعمران والقيم وحتمية النهاية، فالعبور بوصفه آلية بانية مُتأصلةٌ في أعمال هذا الشاعر، كان قد استلهمه مُبكرا من كائنات بيئته المحلية وأسلافه الرحل، ومن حياته الشخصية، حيث عاش «حالة من عدم الاستقرار»، وهو نفسه يُقر بذلك. بل إن هذا العبور ليس طَقْسا سرعان ما ينطفئ، أو ثيمة مُتضامة مع غيرها، أو مُجرد مقولةٍ ضمن نسيج علاقات محاكاتية، متجاورة وثانوية. إنه عمل تأسيسي يذهب بالكتابة نحو ما لا تعرفه، ويُحرك بنيتها الرمزية بكائناتها وعلاماتها وعلاقاتها الهاجعة والمركبة لإعادة اكتشاف الذات والعالم بصورةٍ جذريةٍ تُحدث انقلابا في منطق العلاقات داخل النظام اللغوي، وفي النسيج الشعري نفسه؛ بحيث يشمل هذا ﺍﻻﻨﻘﻼبُ، اﻠﻌﻼﻗﺔَ بين اللغة ونصها، وبين ﺍﻟﻨص ﻭﻋﺎﻟﻤﻪ، وبين بنية العالم الشعري وتلقيه، لجهة تعبير الشاعر الفردي والجمعي عن ممارساته الدالة وشكل إقامتها في العالم. إنه اختراقٌ، واكتشافٌ، وتأويلٌ مُضاد انطلاقا من نوعية الكتابة باعتبارها فعلا لغويا، وضمن الرهان السياسي الذي تحمل عليه دائما.
عندما أتى سيف الرحبي إلى الشعر في ثمانينيات القرن العشرين، كانت الذات الشعرية لم تتخلصْ بعدُ من غنائية الذات الفردية وهُتافها حينا آخر لصالح الجماعة التي تعلي من قيمة التاريخي الذي تستغرقه الثنائيات المجردة والخالية من أثر الفعل الإنساني. في «رأس المسافر» (1986)، وابتداء من نهاراته الأولى في المدينة الكوزموبوليتانية مثل باريس، حيث كتب نصوصه المحتشدة بالهوام والذئاب والرياح وجلبة الحنين، جعل من شعرية العبور رديفا لحداثةٍ بديلةٍ تحتفي بالبسيط، واليومي، والزائل، داخل جماليات الهجنة والاختلاط والتعدد، مثلما صنع منها مجالا ملائما لعبور كل أشكال الهوية، وللتعبير عن التعددية اللامتناهية لـ»أنا». فهو يعرف كيف يعبر، بفضل مرونة مشهديته المضمرة والمتحركة، عن رفض الثبات، مُجربا أشكالا جديدة للذات، من دون أن يمنحها أي نقطة توقف أو ارتكاز. «من التفاتة ذئب» كانت الطرق تتحرك بكل أنواع السفر إلى (المكان) في (المُخيلة) على حد سواء، التي تحمل الشاعر إلى البعيد بقدر ما تحمله على التعرف والإصغاء واكتشاف المجهول، وسؤال الوجود المُلْغز، عابرا القفار والفجاج و»الأنفاق السحيقة للألم الإنساني»، ومُعطيا لصفير القطارات دائرة عمل اللاوعي الذي يُنْهض المهمل والمنسي من ركام الذاكرة، ويخترق حُجُب العادة.
يصير الذئب ذريعة، وقناعا، ورمزا اِستعاريا يتأمل من خلال ترحاله الأشياء والموجودات، ويرتفع بها إلى مرتبة الميتافيزيقي الذي لا يبرح الأرضي، عبر رؤيةٍ وجوديةٍ وقياميةٍ ترثي في عُبورها الفجائعي وجوه الذاكرة وصورها الأليفة المفقودة، وتقارب حالات الخراب التي ترهن شرط الذات الإنسانية.
في «قطارات بولاق الدكرور» (2007)، العمل الشعري الذي دفع بتجربة العبور إلى أقصاها، يسافر أنا الشاعر في الأشواق، والمشاهدات، والمراثي؛ مراثي الأحبة ومراثي أمةٍ على حافة الانقراض، والبورتريهات، والعزاءات، والرسائل، مُلْتقِطا وميض إشراقاتها الجريحة من ذاكرة المكان، ومن متون الشعر والتاريخ والأسطورة والخرافة والواقع المعاصر، وهو ما يُدْمج في بنية العمل إمكاناتٍ خرائطية هائلة تجعل من التخييل النصي العابر للأنواع يُقارِب مُحْتمله في سيرورةٍ من بحث المعنى الذي لا تنتهي. «عواء الذئب» بما هو مُفْتتح العمل وذريعةُ الكَشْف، يُوجه كثيرا من مُسْتحقات السفر في مٌتخيل النصوص وعبرها بين المكان والزمان، الوجود والعدم، الذاكرة والمعيش، الصحراء والبحر، النفق والشرْفة من غير أن يعني ذلك ارتهانه بـ»تقاطب ثنائي»، بل يتعداه إلى كونه الـ»كرونوتوب» الحافل بالآمال الشاقة لاحتضان العالم في أشيائه المتحركة المسكونة بمعرفة الشعر واقترابه: «الذئْبُ الناعسُ على السفوح الملتهبة/ يفتحُ عَـيْنا كي يرى العالمَ الدامي/ فيغلقها ليدخلَ فردوس أحلامه وبهاء رُؤاه».
في كل حالاته، يصير الذئب ذريعة، وقناعا، ورمزا اِستعاريا يتأمل من خلال ترحاله الأشياء والموجودات، ويرتفع بها إلى مرتبة الميتافيزيقي الذي لا يبرح الأرضي، عبر رؤيةٍ وجوديةٍ وقياميةٍ ترثي في عُبورها الفجائعي وجوه الذاكرة وصورها الأليفة المفقودة، وتقارب حالات الخراب التي ترهن شرط الذات الإنسانية. لهذا تحتشد في نصوص العمل عشرات المشاهد والأمكنة واللحظات والأسماء والشخوص، بما يُشبه كرنفالا هامسا، حيث يستقيها الشاعر من سيرته في الحياة والكتابة، ويعالج أوضاع تشظيها مُعيدا تشكيلها، وأَنْسنتها، والتفكير فيها وابتعاثها شعريا داخل متخيل موسوم بقلقه وضجره وألمه حينا، وبتهكمه ومفارقته الساخرة حينا آخر، ثُم بانحيازه إلى الغناء الذي لا يعدم شفافيته رغم بعده الدرامي حينا ثالثا. هكذا، يعبر بنا «كمن فقد ضالته التي ضاعت إلى الأبد».
مغامرة اللغة
ينقل محمد بنطلحة استعارية الذئب إلى منطقة اللغة وعمل الدال داخلها. يريد أن يكون له لغة خاصة به ينجو بها من «فساد» العالم، وعالم خاص ينفرد بموجوداته وكائناته وأشيائه، ويجسد فيه حُريته وصنيعه.
في مجمل أعماله الشعرية، على الأقل منذ «قليلا أكثر» (2007)، يتوارى الذئب بوصفه قناعا شعريا للذات الكاتبة، خلف ما تهجس به الكتابة وتتطلع إليه، التي لم تعد مجرد شكل أو أسلوب، بل صارت دوالها تعكس فلسفة خاصة من الذات والعالم والأشياء، تطبعه روح المفارقة، وتنثر حياتنا المعاصرة في شكل ومضات وتشذرات تفكك وهم الواقعي، وترصد «منطق الخلل» الذي يهيمن على تلك الحياة ويطبع من/ ما فيها، بشكل ساخر ولوذعي.
في ديوانه «كذئب منفرد» (2018)، حيث ثمة بؤرة دلالية متوترة تتقاطع فيها أسئلة الذات واللغة والزمن والموت، وبالنتيجة ثمة شُغْلٌ على الاسم الشخصي بشكل حاد يكشف عن تفجر معمار هوية الذات المتحولة (أنا سواي) وسط كثافة العلامات الحياتية وانهيارها، يعلن الشاعر هويته عبر هذا القناع الذي يجمع بين الكبرياء والهشاشة، وبين العزلة والشظف والإصرار على البقاء التراجيدي من خلال شعوره بأنه يقف وحيدا في مواجهة الزمن، وبأنه آخر من يدافع عن رؤيته للعالم ببيتٍ شاردٍ من الشعر، وبلغة الأعماق التي يلوذ بها باعتبارها بيته الأخير، ويترك فيها أثره ووجه تفرده وحريته، بعد أن يصير كل شيء قابلا للانهيار: «سوف أهدم جميع البيوت،/ سوى بيت واحد:/ لغتي/ منفردا عشت/ ومنفردا أموت/ بلا مزايا، وبلا نعوت/ أنا الذئب الأخير».
كاتب مغربي
