
صدر الصورة، Getty Images
Published قبل 3 ساعة
مدة القراءة: 6 دقائق
بدأت حكاية روبن هود كتقليد شفهي في القرن الثاني عشر، قبل أن تتحول مع مرور الوقت إلى صورة نمطية لبطل شجاع يناسب جميع أفراد العائلة. لكن أعمالاً جديدة تحاول اليوم إعادة الجانب المظلم إلى هذه الشخصية.
عندما بدأ الكاتب والمخرج مايكل سارنوسكي تصوير فيلمه الجديد، عرض على الممثلين وفريق العمل فيلماً طالما أحبه: نسخة ديزني الكرتونية من (روبن هود) الصادرة عام 1973، والتي ظهر فيها البطل على هيئة ثعلب يضع ريشة في قبعته الخضراء، ويسرق من الأغنياء ليمنح الفقراء.
لكن هذه الصورة المحبوبة تختلف تماماً عن فيلم سارنوسكي الجديد (موت روبن هود)، وهو عمل درامي مظلم وعميق. ويؤدي هيو جاكمان دور روبن هود وقد شاب شعره وأنهكته المعارك، فيتأمل حياته في أيامه الأخيرة، وهو يدرك تماماً حجم الأسطورة التي نُسجت حوله.
تحذير: يتضمن هذا المقال وصفاً صريحاً لأعمال عنف قد يكون مزعجاً لبعض القراء.
وعندما يلتقي امرأة تتحدث عن روبن هود بوصفه رجلاً فاضلاً يسعى إلى العدالة، ينكر هويته ويتحدث عن نفسه بصيغة الغائب قائلاً: “لم يكن بطلاً. كان يسرق ويقتل من أجل المتعة، لا أكثر”.
يتضح أن صورة روبن هود العنيف، وغيرها من الأعمال التي تعيد النظر في صورته كبطل يسعى إلى الخير، أقرب إلى الحكايات الأصلية في العصور الوسطى من النسخة العائلية التي نعرفها اليوم.
تغيرت صورة روبن هود على مر القرون، وكانت كل نسخة جديدة تعكس الزمن الذي أعاد تقديمه. وتعود هذه المعالجات الأكثر قتامة في القرن الحادي والعشرين إلى جذور الحكاية، لكنها، كما يقول بعض صناعها، تتحدث أيضاً عن عالمنا الحالي.
فهذه النظرة المعقدة إلى الشخصية تتحدى عالماً شديد الاستقطاب، يُصوَّر فيه الأبطال والأشرار غالباً باعتبارهم أخياراً أو أشراراً بشكل مطلق، تماماً كما تحولت أسطورة روبن هود عبر القرون إلى حكاية مبسطة.
من هو روبن هود؟
على الرغم من كثرة التكهنات بشأن وجود شخص حقيقي يُدعى روبن هود، يتفق معظم المؤرخين على أن الشخصية لم تستند إلى شخص واحد عاش بالفعل. بل نشأت في مجتمع شديد التفاوت، يملك فيه الأثرياء الأراضي، بينما يعيش الفلاحون في فقر.
بدأت قصص روبن هود كتقليد شفهي في القرن الثاني عشر، لكن أول روايات مكتوبة عنها لم تظهر إلا بعد نحو قرنين، في قصائد غنائية شعبية قدمته منذ ذلك الوقت كشخصية محبوبة ومشهورة.
وفي تلك الروايات الأولى، لم يكن النبيل (السير روبن أوف لوكسلي) كما صورته الأعمال اللاحقة. بل لم يكن نبيلاً من الأساس، وإنما كان من طبقة ملاك الأراضي الصغار، وهي طبقة أعلى بقليل من الفلاحين.
كما لم تظهر شخصية ماريان في الحكاية إلا في القرن السادس عشر. ورغم أن روبن هود كان يعامل الفقراء بلطف، فإن مساعدتهم لم تكن هدفه الأساسي. وكان أعداؤه الرئيسيون رجال الدين الفاسدين والنبلاء من ملاك الأراضي الذين استغلوا من يعملون تحت سلطتهم.

صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة، بدأت حكايات روبن هود كتقليد شفهي في القرن الثاني عشر، بينما ظهرت أولى الروايات المكتوبة بعد نحو 200 عام
وفي خاتمة روايتها التي تعيد تقديم الشخصية، (خائن غابة شيروود) الصادرة عام 2025، تصف مؤرخة العصور الوسطى إيمي إس كوفمان روبن هود في الحكايات الأولى بأنه “مخادع من العصور الوسطى لا يمكن وصفه بالخير أو الشر بشكل كامل”، و”خارج عن القانون عنيف ومتمرد”. وهنا كانت ديزني محقة في شيء واحد: فالقصائد الأولى تشير إلى أن روبن كان ماكراً كالثعلب.
وجاء تحول كبير في الحكاية خلال القرن السادس عشر. فقد كان الملك هنري الثامن معجباً بروبن هود، وكان يتنكر أحياناً في زيه. وخلال حكم الملك الذي انفصل عن الكنيسة الكاثوليكية، اختفى من الأسطورة إخلاص روبن للسيدة العذراء مريم.
ومع تبني الطبقات العليا للشخصية، تغيرت صورتها في السجلات التاريخية المؤثرة آنذاك. فلم يعد روبن يكره النبلاء، بل أصبح هو نفسه نبيلاً. وصُوّر كرجل مستقيم أخلاقياً يقاتل نبلاء فاسدين من طبقته، فتوقف عن تحدي نظام السلطة في المجتمع.
كما أصبح دوره مساعدة الملك الصالح ريتشارد على استعادة العرش الذي استولى عليه شقيقه الشرير الأمير جون. واستمرت هذه الفكرة في أعمال لاحقة، ومنها نسخة ديزني التي صورت الأمير جون في هيئة أسد جشع ومتعطش إلى السلطة.

صدر الصورة، Alamy
التعليق على الصورة، رسّخ فيلم ديزني الصادر عام 1973، الذي ظهر فيه روبن هود في هيئة ثعلب، صورته في الثقافة الشعبية كبطل مغامر يسعى إلى فعل الخير
وفي القرن التاسع عشر، ساعدت كتب الأطفال على تقديم روبن هود بصورة أكثر تهذيباً، كبطل يفعل الخير ويتناسب مع قيم المجتمع الفيكتوري.
ثم عززت السينما هذه الصورة خلال القرن العشرين، ولا سيما من خلال النجم إيرول فلين، الذي أدى دور السير روبن المبارز والجريء في الفيلم الشهير (مغامرات روبن هود) عام 1938.
أما ديزني، فقد رسخت هذه الصورة في الثقافة الشعبية من خلال واحدة من أكثر النسخ تأثيراً في أجيال كاملة.
صورتان للشخصية نفسها
يقول سارنوسكي لبي بي سي إن التناقض بين فيلم ديزني والحكايات الأصلية ظل يشغله منذ طفولته، عندما قرأ نسخة مبسطة من قصيدة (موت روبن هود) التي تعود إلى العصور الوسطى. وفيها يموت روبن بهدوء بعدما تقتله رئيسة دير شريرة وعشيقها.
ويقول: “كنت أعرف نسخة ديزني من روبن هود، ثم قرأت قصة موته. وظل الفرق بين هاتين الصورتين، ومحاولة فهم كيف يمكن أن تكونا للشخصية نفسها، عالقاً في ذهني منذ الصغر”.
وفي فيلم سارنوسكي، يُصاب روبن خلال معركة عنيفة تتضمن مشهداً صادماً، إذ يخترق سهم مؤخرة رأس صبي ويخرج من عينه، ثم يُنقل إلى دير لتلقي العلاج. وتؤدي جودي كومر دور رئيسة الدير، لكنها تظهر هنا كشخصية طيبة، على عكس صورتها في القصيدة الأصلية.
ويقول سارنوسكي إنه أراد تقديم شخصيات أكثر تعقيداً: “لم أرد أن تكون رئيسة الدير مجرد راهبة شريرة، ولا أن يكون روبن مجرد بطل طيب وبسيط”.
ومع تأمل روبن في ماضيه وبدئه في الشعور بالندم، يتحول الفيلم إلى قصة عن صراعه مع الأسطورة التي صنعت حوله، ومع رغبته في أن يلقى ما يراه موتاً يليق به.

صدر الصورة، A24
التعليق على الصورة، يؤدي هيو جاكمان بطولة فيلم A24 الجديد، الذي يعيد تقديم روبن هود بصورة أقرب إلى الأسطورة القروسطية الأصلية والمظلمة
ويُعد زيف الأساطير أيضاً من الأفكار الرئيسية في رواية كوفمان، التي تأثرت هي الأخرى بنسخة ديزني في طفولتها. وتقول لبي بي سي: “كبرت وأنا أعرف روبن هود في صورة الثعلب، ثم بدأت دراسة العصور الوسطى واكتشفت القصائد القديمة، فقلت لنفسي: أين روبن هود الذي أعرفه وأحبه؟”.
تدور رواية (خائن غابة شيروود) حول شخصية خيالية تُدعى جين، وهي فلاحة تنبهر بأسطورة روبن هود. تقع في حبه وتنضم إلى جماعته الخارجة عن القانون، لكنها تبدأ لاحقاً في التساؤل عما إذا كانت صورته البطولية وشخصيته الجذابة قد خدعتاها.
وتقدم كوفمان روبن هود كشخصية ليست بطلاً ولا شريراً، في صورة أقرب إلى أصول الحكاية. وتقول إنه في القصائد القديمة “شخصية شديدة التمرد، لأنه يتحدى أصحاب السلطة، مثل الملوك والنبلاء والكنيسة. لكنه في كل القصائد تقريباً إما يلقى نهاية مأساوية، أو يصبح ضحية لعيوبه”.
وخلال القرن الماضي، نادراً ما ظهرت هذه النظرة المعقدة إلى روبن هود. فقد أدى الدور على الشاشة ممثلون من دوغلاس فيربانكس إلى كيفن كوستنر ورسل كرو، لكن معظم هذه الأعمال التزمت بالصورة النمطية المعروفة للشخصية.
ومن أبرز الاستثناءات فيلم (روبن وماريان) الصادر عام 1976، وهو فيلم ذكي وأنيق يستحق شهرة أكبر. يؤدي شون كونري دور روبن هود في شيخوخته، بعد أن يلتقي ماريان مجدداً عقب عقود من الفراق. وتؤدي أودري هيبورن دور ماريان، التي أصبحت رئيسة دير.
وينكر روبن في الفيلم صحة القصص الأسطورية التي رويت عنه، ويظهر متأملاً حياته في أيامها الأخيرة. ويقول لماريان: “لا أتوقف عن التفكير في كل الموت الذي رأيته”، ثم يتساءل: ما الذي كان كل ذلك من أجله؟

صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة، على الشاشة، أدى الدور ممثلون من دوغلاس فيربانكس إلى كيفن كوستنر، والتزم معظمهم بالصورة النمطية للشخصية.
هذه الأسئلة عن السلطة والأبطال والطريقة التي تُروى بها حكاياتهم هي ما يجعل إعادة النظر في أسطورة روبن هود تبدو معاصرة إلى هذا الحد.
تقول كوفمان: “العالم يعيد تركيز السلطة بطرق تشبه ما كان يحدث في العصور الوسطى. وبعض القضايا التي كان عليهم التفكير فيها آنذاك، سنضطر نحن أيضاً إلى التفكير فيها”.
ويشير سارنوسكي إلى أن شخصياته تستخدم الحكايات كأداة للسلطة. ويقول إن “روبن استخدم القصص كسلاح ووسيلة لاستمرار العنف”، إذ كان يجذب بها الأتباع، بينما «تستخدم رئيسة الدير القصص لمساعدة الناس ومداواتهم».
وهذه الأساليب حاضرة بقوة في عالم اليوم. يقول سارنوسكي: “نحن غارقون في الروايات التي تصنعها وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت وكل ما يدور حولنا. وسرعان ما ننقسم إلى معسكرات، ونصنع أبطالاً وأشراراً، بدلاً من تقبل المنطقة الرمادية التي توجد فيها الحياة فعلياً”.
ومع أن النسخ الجديدة الأكثر قتامة من روبن هود قد تكون لافتة وصادمة، فمن غير المرجح أن تحل محل الصورة التي رسختها ديزني.
وتقول كوفمان: “ليس الجميع مستعداً للتخلي عن صورة روبن هود التي يحبها. لقد أصبح أشبه بسانتا كلوز، لأنه يرمز إلى شيء أكبر من الأسطورة الأصلية نفسها”.
