Published On 21/6/202621/6/2026
تناولت صحيفتا نيويورك تايمز وآي بيبر كتاب نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس “المناولة” أو “الاتحاد الروحي”، مشيرتين إلى أنه يكشف عن تناقضات صاحبه، وطموحه السياسي أكثر مما هو رحلة دينية، كما يظهر تمسكه بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب، رغم أنه لا يمنحه مساحة كبيرة.
واستعرضت نيويورك تايمز رأي ثلاثة من كتّاب رأي لديها في الكتاب، وهم إي. جيه. ديون جونيور وكارلوس لوزادا وميشيل كوتل، وقد اعتبروا الكتاب امتدادا لسيرته السابقة في “مرثية هيلبيلي” (Hillbilly Elegy)، لكنه يركز هذه المرة على رحلته الدينية من المسيحية الإنجيلية إلى الإلحاد ثم إلى اعتناق الكاثوليكية.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
ويرى النقاد أن فانس في هذا الكتاب يكشف عن شخصية قلقة تبحث باستمرار عن الاستقرار والمعنى، متأثرة بطفولة مضطربة مليئة بالفقر وعدم الاستقرار الأسري، مشيرين إلى أن هذا الشعور بالخوف من “انهيار الأشياء” يبدو مفتاحا لفهم اختيارات فانس الفكرية والدينية لاحقا، حيث تمثل الكاثوليكية بالنسبة له نظاما صارما يمنحه الإحساس بالثبات واليقين أكثر من كونها تجربة روحية عاطفية.
ويشير المتحدثون إلى أن فانس يقدّم نفسه عبر سلسلة من التحولات المستمرة، من ابن لطبقة عاملة مضطربة، إلى خريج قانون في جامعة ييل، إلى رجل أعمال في وادي السيليكون، ثم سياسي بارز.
فانس يركز على رحلته الدينية من المسيحية الإنجيلية إلى الإلحاد ثم إلى اعتناق الكاثوليكية (رويترز)صورة غير مستقرة
وهذه التحولات تجعل صورة فانس -في نظر النقاد- غير مستقرة بالكامل، بل أقرب إلى إعادة تشكيل مستمرة للذات، سواء في الدين أو في السياسة أو في المواقف الاجتماعية.
كما ناقش المقال البعد السياسي في الكتاب، حيث يُقرأ كتابه أيضا -حسب الكُتَّاب- كجزء من تمهيد لطموح سياسي أكبر، حيث يحاول فانس الحفاظ على علاقته بقاعدة “ماغا” المرتبطة بالرئيس ترمب، وفي الوقت نفسه بناء هوية مستقلة تؤهله لمستقبل قيادي داخل الحزب الجمهوري.
لكن فانس يتجنب الخوض مباشرة في دور ترمب أو سياساته بشكل مفصل، ويكتفي بإشارات محدودة تسمح له بالموازنة بين الولاء والتميّز، كما يبرز اهتمامه بفكرة تراجع “الحضارة المسيحية” واعتقاده بأن ضعف التدين يرتبط بتراجع معدلات الإنجاب وتماسك المجتمع.
ويرى النقاد أيضا أن الكتاب مليء بالتناقضات، فهو ينتقد النخب الأكاديمية رغم استفادته منها، وينتقد المادية رغم عمله السابق في الاستثمار، ويتبنى مواقف محافظة في قضايا الأسرة والإنجاب والدين، مع محاولات لتخفيف حدّة بعض تصريحاته المثيرة للجدل مثل مواقف “القطط والنساء غير المنجبات”.
وفي النهاية، يخلص النقاش إلى أن الكتاب ليس مجرد مذكرات دينية، بل هو عمل يجمع بين السيرة الذاتية والتأمل الفكري والرسائل السياسية، وهو يكشف عن شخصية ما تزال في حالة بحث مستمر عن المعنى والاستقرار، وفي الوقت نفسه تتحرك داخل مشروع سياسي أكبر قد يضع صاحبه في موقع قيادي محتمل داخل مستقبل اليمين الأمريكي.
سيرة فانس تفسر لماذا لا يبدو الرئيس ترمب متحمسا لمنحه مساحة أو دعما (الفرنسية)براغماتية سياسية
أما الكاتبة سارة باكستر في موقع آي بيبر فتنتقد مذكرات نائب الرئيس، وترى أنها لا تُقرأ فقط كسيرة عن رحلة روحية، بل كمرآة تكشف طموحاته السياسية وحدود صدقه مع نفسه، وتفسّر في الوقت ذاته لماذا لا يبدو الرئيس ترمب متحمسا لمنحه مساحة أو دعما حقيقيا داخل معسكره السياسي.
وركّزت الكاتبة على التناقض بين صورتين لفانس، الأولى هي صورة الشاب الذي قدّم نفسه في كتابه السابق باعتباره ابن طبقة عاملة مضطربة استطاع الصعود عبر التعليم والعمل، والثانية هي صورة السياسي الحالي الذي يُتهم بأنه تخلّى عن نقده السابق لترمب وتحول إلى مدافع عنه بهدف الصعود داخل هرم السلطة.
وترى الكاتبة أن هذا التحول من ناقد إلى مؤيد شديد الحماس يعكس براغماتية سياسية أكثر من كونه تطورا فكريا أو أخلاقيا، وتتوقف عند البعد الديني في الكتاب حيث يعرض فانس رحلته من الإلحاد إلى الكاثوليكية باعتبارها بحثا عن المعنى والاستقرار، معتبرة أن هذا التحول الديني لا ينفصل عن سياق الطموح السياسي.
وتشير الكاتبة إلى أن فانس، رغم حديثه عن الإيمان والقيم، يتبنى مواقف سياسية تثير الجدل، خصوصا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية مثل الملف الإيراني، حيث يُقدَّم في المقال كجزء من مفاوضات معقدة توصف بسخرية بأنها “اتفاقات كبرى” تمنح إيران تنازلات دون وضوح كامل في النتائج.
لا يرغب في تمكين فانس كمنافس مستقبلي داخل الحزب (رويترز)ترمب لا يمنحه مساحة
كما يُصوَّر فانس هنا كسياسي يحاول التوفيق بين خطاب السلام الذي يريده ترمب وبين ضغوط التيار الجمهوري المتشدد، مما يجعله في موقع هش يتلقى اللوم إذا فشلت السياسات دون أن ينال الفضل إذا نجحت.
أما الفكرة الأبرز في مقال الكاتبة، فهي أن ترمب لا يمنح نائبه مساحة سياسية حقيقية، بل يتعامل معه بحذر وربما بعدم ثقة، ويُلمّح إلى أنه لا يرغب في تمكينه كمنافس مستقبلي داخل الحزب، لتبقى المنافسة على خلافته مفتوحة وغير محسومة بينه وبين وزير الخارجية ماركو روبيو.
وتستخدم الكاتبة سردا نفسيا لفهم شخصية فانس، فتربط بين طفولته القاسية في بيئة غير مستقرة وبين ما تعتبره نزعة دائمة لديه للاندفاع نحو النجاح بأي ثمن، مع قدرة عالية على التكيف مع الإهانات أو التهميش في سبيل تحقيق أهدافه.
وفي النهاية، ترى الكاتبة أن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الكتاب ليس دينيا ولا سياسيا فقط، بل وجوديا أيضا: هل يمكن لفانس أن يوازن بين طموحه السياسي وضميره الأخلاقي؟ أم أن الطريق الذي اختاره داخل عالم ترمب سيجعله يدفع ثمنا روحيا مقابل صعوده السياسي؟.
